الصورة: متظاهرون تونسيون يحملون صور الصحفي سفيان شرابي والمصور نادر ختاري اللذين فُقدا في شرق ليبيا في سبتمبر (الفرنسية)

استُقبل القتل المروع لعشرة صحفيين واثنين من ضباط الشرطة في المجلة الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو" يوم 7 يناير الجاري بموجة من السخط العالمي. وبعد يوم، ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن الفرع الليبي من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قطعوا رأس اثنين من الصحفيين التونسيين. وفي سبتمبر، تم اختطاف صحفي التحقيقات سفيان شرابي والمصور نادر ختاري من قبل مجموعة تقول إنهم يعملون في قناة "تحارب الدين". قوبل قتلهم بتغطية إعلامية ضئيلة، ولكن، إذا تم تأكيد ذلك القتل فإن هذا جعل يناير الجاري أكثر الشهور دموية بالنسبة للصحفيين منذ 2012.

في فرنسا، كما في أماكن أخرى في العالم الغربي، يجري انتقاد الهجوم على شارلي إيبدو، ويتم الاحتفاء بالصحفيين القتلى على أنهم أبطال جسّد عملهم تحديا شجاعا في السعي نحو حرية التعبير. ومع ذلك، لا يُنظر إلى هذا الكفاح من أجل حرية التعبير على أنه صراع المسلمين أيضا. ومع ذلك، فإن عدد الصحفيين المسلمين الذين قُتلوا دفاعا عن الصحافة يروي لنا قصة مختلفة. فأكثر من نصف الصحفيين الـ61 الذين تم قتلهم في عام 2014 كانوا مسلمين، وكثير منهم كانوا يعملون في البلدان المتأثرة بالعنف مثل العراق، سوريا، باكستان والصومال. لكن القليل منهم تلقى التقدير المستحق أو الاحتفاء الذي مُنح للصحفيين الغربيين أو هؤلاء المعدودين الذين عملوا لصالح وسائل الإعلام الغربية.

حرية أن تتكلم، وأن تعرف، وأن تقول الحقيقة هي قيمة عالمية، ويجب أن نتذكر الرجال الشجعان من المسلمين الذين قضوا من أجل الدفاع عن هذه القيمة مثلما نتذكر أولئك الذين قضوا حتفهم في الهجوم الجبان في باريس. 

بعض القُراء قد يرى التأكيد على هوية الصحفيين القتلى كأمر مشتبه به أخلاقيا في أعقاب المذبحة الإرهابية التي حدثت. لكن لنكن واضحين، هذه ليست منافسة بين الأديان، لكن ازدواج المعايير والانتقائية الواضحة في الغضب تؤكد التسلسل من حيث الأهمية في تفاعلنا الأخلاقي مع الأعمال الإرهابية. وهي الآلية التي أضحت مرئية فقط بعد أن استُهدف الصحفيون الغربيون.

على سبيل المثال، خلال العام الماضي، سيطر القتل الشنيع لجيمس فولي وستيفن سوتلوف من قبل مقاتلي داعش، الذي تم تسجيله على شريط فيديو، على عناوين الصحف العالمية. لكن تم تجاهل مقتل الصحفيين المسلمين على يد نفس المتوحشين. بعد أقل من شهر على قتل سوتلوف، وفي أكتوبر، أطلق مقاتلو داعش النار وقتلوا الصحفي محمد العكيدي الذي عمل لوكالة أنباء صدى العراق، وقطعوا رأس رعد محمد وهو مصور عراقي يعمل لصالح قناة سما صلاح الدين التليفزيونية. وبعد ذلك بشهر واحد، قُتل أربعة صحفيين عراقيين آخرين في الموصل، لكن الخبر لم يصل أبدا إلى عناوين الأخبار، ناهيك عن إشعاله أي قدر من احتجاج أنصار حرية التعبير.

هذا الاختفاء من العناوين كان جزءا من الروتين الذي يحذف ضحايا الإرهاب من المسلمين وبنيي البشرة، وهو ما سمح للمتطرفين كارهي الأجانب ومتبني سردية "نحن أو هم" بالانتشار وبالاستمرار. الفشل في الحداد والاعتراف بتضحيات ضحايا الإرهاب بالتساوي يحمل مخاطر هائلة. فإبراز الغضب من الإرهاب عندما يصل فقط إلى الغرب أو عندما يقتل الأجانب يعني أننا نتساهل مع انتشار الإرهاب في الأماكن البعيدة.

الصحفيون الغربيون الذين يغطون حادث إطلاق النار في باريس يتساءلون أمام الكاميرات: كيف لمثل هذا الهجوم أن يحدث "هنا"، في مدينة غربية وعاصمة لفرنسا. هذه التصريحات تكشف عن أن الغالبية تفترض بلا جدال أن الإرهاب هو أقل ترويعا إذا حدث لغير الغربيين في أماكن غير غربية. لكن الإرهاب يضر، ويشوه بنفس القدر في بيشاور، المدينة التي لا تزال تلعق جراحها بعد مذبحة راح ضحيتها عشرات من تلاميذ المدارس في الشهر الماضي، أو في نيجيريا، حيث دمرت جماعة بوكو حرام 16 قرية، ما أسفر عن مقتل ما يُقدر بنحو 2000 شخص في نفس الأسبوع الذي حدثت فيه هجمات باريس.

المسلمون هم أكثر عرضة لتجربة الحرب والنزوح أكثر من أي مجموعة دينية أخرى. الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل سوريا وأفغانستان والعراق وباكستان تعيش خضم الحرب الأهلية. وأصبح الملايين من السوريين والعراقيين والأفغان لاجئين في البلدان المجاورة التي تعاني هي الأخرى بدورها مثل الأردن أو باكستان. ليس هناك شخص واحد في هذه البلدان لم يتأثر من ويلات العنف الذي رآه في المجازر التي حدثت في المدارس والمساجد والمطاعم والأسواق. ومع ذلك، هناك البعض في الغرب الذين يُصرون على مطالبة هؤلاء الجرحى والسكان المشوهين المحاصرين باعتذار جماعي عن أعمال كل قاتل ذي خلفية إسلامية.

هذا التبسيط المخل يعزل الأغلبية الساحقة من المسلمين، الذين يرون مكافحة التطرف وحماية حرية التعبير على أنه صراع جماعي يتجاوز الإيمان والجنسية. وبينما يتجاهل غضبنا الانتقائي الألم والتضحيات التي يدفعها المسلمون، يتصور التعميم كل المسلمين كما لو كانوا مرتكبي الإرهاب. 

الرعب الذي يمثله الإرهاب ينزع عادة إلى إلغاء السياقات. إنه يحفز الرغبة في حماية الذات والانتقام. اللوم الجماعي الذي يوضع على المسلمين، والاستثمار الأعمى في اللوم والشك وتسليط الضوء على حرية التعبير على أنها قيمة غربية فقط هو انتصار للمتطرفين. هذا السخط الانتقائي الذي نمارسه يعطي مصداقية لفكرة أن مسلمي العالم هم بالفعل إرهابيون أو على الأقل إرهابيون محتملين. يجب ألا يتم التعريف بدين الشخص فقط عندما يرتكب القليل من المسلمين عملا إرهابيا، وتجاهل دينهم عندما يموت الآلاف منهم نتيجة تلك الأعمال.
 

المصدر: الجزيرة أمريكا / ترجمة عربي 21