ترجمة وتحرير نون بوست

لطالما حذر المحللون، من أن الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية اليمنية، إذا تركت دون اهتمام أو معالجة، فإنها سوف تؤدي بلا شك لاندلاع مجاعة حادة وواسعة النطاق. وفي وقت يتجه فيه اليمنيون نحو هذا السيناريو الكارثي، فإن ما يثير القلق فعلا هو غياب أي مؤشرات على وجود جهود لتجنب هذا المصير، حتى وقد أصبح الناس يموتون بأعداد غير مسبوقة.

بعد حوالي 4 سنوات من اندلاع الحرب الأهلية في البلاد، يحتاج 22 مليون يمني الآن إلى نوع من أنواع المساعدة. حيث أن حوالي 10 آلاف شخص يصابون بالكوليرا في كل أسبوع، وتم تسجيل أكثر من 1.2 مليون حالة إصابة بهذا الوباء، وأكثر من 2500 وفاة لحد الآن، بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية. كما أن منظمة أنقذوا الأطفال تشير في تقديراتها إلى أن 85 ألف طفل فارقوا الحياة بسبب الجوع وأمراض كان يمكن علاجها، منذ أن تطورت الحرب الأهلية، التي كانت في البداية صراعا داخليا على السلطة، تم تدويله في بداية 2015.

ويقول مارك لوكوك، مدير العمليات الإنسانية في منظمة الأمم المتحدة: "إنه في حال لم يتم التدخل لمنع الهجوم المزمع شنه على ميناء الحديدة الواقع في البحر الأحمر، ووضع حد لهذه الحرب، فإن هنالك مجاعة ضخمة وواسعة النطاق سوف تندلع في وقت قريب"، وسوف يواجه اليمن ما يسميه هذا المسؤول "أسوأ كارثة إنسانية في حياتنا المعاصرة". ويأتي هذا في وقت يعاني فيه حوالي 14 مليون يمني، أي أكثر من مجموع سكان ولاية بنسلفانيا، من أوضاع تنبئ بوقوع مجاعة، ولا تفصلهم عن الموت جوعا إلا خطوات قليلة. ولذلك فإن اندلاع المعارك على الحديدة سوف يمثل الصدمة الاقتصادية الأخيرة، التي تؤدي لتحول أسوأ أزمة إنسانية في العالم إلى أسوأ مجاعة.

ولذلك فإنه من الغريب أن يعتبر البعض، أن التحولات الأخيرة في موقف واشنطن واهتمام إدارة ترامب والمشرعين الأمريكيين بالأوضاع في اليمن، تمثل انفراجة في هذه الأزمة. ففي الواقع فإن الدعوات لعقد محادثات سلام، إن لم تصاحبها أفعال ملموسة ونقاشات في مجلس الشيوخ، فإنها لن تكون كافية، وستكون متأخرة، وعلى الأرجح لن تفضي إلى أي نتائج.

القصة الأصلية

كان اليمن منذ البداية أفقر بلد في العالم العربي، عندما اندلعت فيه المظاهرات في 2011، نسجا على منوال الثورات التي اندلعت في بلدان أخرى في المنطقة. وقد شهد هذا البلد الكثير من الاحتجاجات، خاصة وأن حوالي 43 بالمائة من السكان يعيشون بالاعتماد على أقل من دولارين في اليوم. كما كان اليمن يعتمد بشكل خطير على مخزونه المتناقص من النفط. ووصلت معدلات البطالة إلى مستويات مرتفعة، ناهزت 70 بالمائة بالنسبة لليمنيين الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 25 سنة، كما أن الخدمات الحكومية تدهورت، وتراجعت فعالية النظام القضائي. ولكن يبدو أن لا شيء من هذه المسائل كانت ضمن أولويات النخبة السياسية اليمنية، واللاعبين الدوليين الحاضرين في صنعاء.

حيث أن نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، المدعوم من الولايات المتحدة، رد على هذا الحراك باستخدام القوة المفرطة ومن أجل وقف هذه الاحتجاجات، ثم في وقت لاحق استغل هذه التحركات كغطاء لتصفية حسابات داخلية خاصة به. وقد تزايدت مخاوف الأطراف الدولية والإقليمية من أن فراغ السلطة الذي بدأ يتشكل، سوف يوفر فرصة للمجموعات المتطرفة. وبحلول الوقت الذي تم فيه التوصل لتسوية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، ينص على تخلي صالح عن الرئاسة لفائدة نائبه عبد ربه منصور هادي، كان نصف الشعب اليمني يعيش تحت خط الفقر، والأطفال اليمنيون من ضمن الأكثر معاناة من سوء التغذية في العالم.

وقد ركز هادي على إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وقد تم فعلا المضي قدما في عملية إعادة هيكلة الجيش، التي اعتبرها المسؤولون الأمريكيون أولوية. ولكن بالنسبة للاقتصاد، فقد تواصل الانحدار. وبحلول الوقت الذي وصل فيه الحوثيون إلى مشارف صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، في ظل المساندة الصامتة التي قدمها صالح، كان كثيرون في شمال اليمن يعتقدون أن الأمر لن يكون أسوأ مما هو عليه في ظل النخبة السياسية الماسكة بزمام الأمور حينها. (في الواقع تبين أنهم كانوا أسوء، فبعد مطالبات للحكومة بخفض أسعار الوقود أثناء حصارهم للمدينة في سبتمبر/ أيلول 2014، قاموا هم برفع الأسعار مجددا بعد أشهر قليلة من سيطرتهم على المدينة).

ثم في مارس/ آذار 2015، قررت المملكة السعودية، التي تنظر إلى الحوثيين وحزب الله على أنهم أذرع إيرانية، الدخول في هذه الحرب الدائرة بين تحالف الحوثيين وصالح من جهة، والمجموعات المحلية التي وقفت ضدهم معلنة أنها تحارب في صف عبد هادي ربه منصور، الذي هرب إلى الرياض. وإلى جانب حملته الجوية الشرسة، قام التحالف العربي الذي تقوده السعودية بفرض حصار على موانئ اليمن، وهو ما أدى لمخاوف من أن البلاد ستواجه قريبا نقصا في الغذاء والوقود الدواء.

وقد بذلت الأمم المتحدة جهودا لطمأنة السعودية بأن الأسلحة لن يتم تهريبها إلى داخل اليمن في حاويات السفن، لتبدأ حينها المنظمة الأممية بلعب هذا الدور في مرات عديدة، بعد أن وجد المجتمع الدولي نفسه يمارس دور رجل المطافئ الذي يحاول خفض الأضرار التي لحقت بالبلاد، بسبب سعي الحوثيين وحكومة هادي والتحالف العربي لعسكرة الاقتصاد.

حماية الحديدة

والآن تقوم القوات اليمنية المدعومة من الإمارات، حليفة السعودية في هذه الحرب في اليمن، بالتجمع في محيط الحديدة، التي تمثل مرفأ تجاري تدخل منه حوالي 70 بالمائة من الاحتياجات الأساسية مثل الوقود والدواء والغذاء. وتمثل هذه المدينة المصدر الوحيد لتوفير احتياجات حوالي 10 مليون ساكن. وبالتالي فإن إندلاع المعارك في هذه المدينة ومينائها سوف يكون صراعا طويلا ومدمرا ووحشيا. وسوف يؤدي هذا الصراع إلى توقف الحركة التجارية لأسابيع أو ربما أشهر، وهو ما سيسبب نقصا حادا في المواد الأساسية وارتفاعا في الأسعار، وسيحرم ملايين آخرين من اليمنيين من الغذاء والماء الصالح للشراب.

وبالنظر إلى خطورة الأوضاع، فإنه من المؤسف الإشارة إلى أن إدارة ترامب، إلى جانب السعودية والإمارات، قضت الأسابيع الماضية في التحريض ضد قرار لمجلس الأمن الدولي حول اليمن، تمت صياغته بمبادرة بريطانية، ينص من بين أشياء أخرى على المطالبة الصريحة بحماية ميناء الحديدة. وتدعي الولايات المتحدة والسعودية والإمارات أن هذا القرار إذا تمت المصادقة عليه، سوف يقوض المشاورات التي تجري برعاية أممية، بهدف التوصل لاتفاق لبناء الثقة ووضع إجراءات وإطار عملي للتفاوض الرسمي، ومن المفترض أن تبدأ يوم الخميس. هذه المحادثات يمكن اعتبارها فعلا خطوة مهمة في هذا الاتجاه، ولكنها إذا لم تؤدي لتجنب اندلاع المعارك في الحديدة، فإنها لن تكون ذات جدوى.

وقد كان هذا القرار الأممي فرصة أمام المجتمع الدولي لوضع خطوط لحماية هذا الميناء. وفي الواقع فإن المتشائمين يعتبرون أن الدعوات الأمريكية لعقد محادثات سلام في أكتوبر/ تشرين الأول، والتي تبعتها هجمات إمارتية متجددة، وإعلانات من ترامب بدعمه للسعودية على كل الواجهات، كان هدفها الحقيقي المماطلة وتجنب القرار الذي كان سيتخذه الكونغرس بخصوص اليمن، ومحاولة لكسب الوقت والتهرب من المسؤولية عندما تندلع المعارك من أجل السيطرة على هذا الميناء.

ولكن عندما تأتي المجاعة، فإن الولايات المتحدة لن تكون الوحيدة المسؤولة عن هذا الأمر، إذ أن اليمن تمثل فشلا مطولا للنظام الدولي بأكمله، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشكل خاص. وبينما تنزلق البلاد نحو الجوع واليأس، من المهم فهم أن ما يحدث الآن كان متوقعا بشكل مأساوي. والناس الذين كان يفترض أن يعرفوا هذا، كانوا يعرفونه فعلا، ولكن كانت لهم أولويات أخرى.

المصدر: واشنطن بوست