تحت العدسة الأمريكية كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ زمن، ولا يُعرف يقينًا لم كانت واشنطن تراقب سلوك ولي العهد السعودي، لكنها مراقبة توشك أن تثبت عليه تهمة الوقوف وراء اغتيال جمال خاشقجي، فتقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية يقود بشكل مباشر إلى الأمير الشاب.

فهم ذلك من تابع ما نقلته قبلاً وسائل الإعلام الأمريكية عن مصادر في وكالة الاستخبارات المركزية، وأيقنه مشرعون أمريكيون ممن اطلعوا على خلاصة وكالة الاستخبارات المركزية بشأن اغتيال خاشقجي، في حين تدخل البيت الأبيض أخيرًا في خطوة مثيرة للريبة لمنع مديرة الوكالة جينا هاسبل من تقديم إحاطة بذلك لمجلس الشيوخ.

تقييم "CIA" يقود إلى الأمير الشاب

سيستوقف كل متابع لتسلسل القضية أنه بعد أيام من ذلك المنع تكشف صحيفة "وال ستريت جورنال" الأمريكية تسريبات جديدة من محتوى التقييم الأساسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ووفقًا للصحيفة، يخلص التقرير إلى أن ولي العهد السعودي هو على الأرجح من أمر باستهداف الصحفي جمال خاشقجي.

يشير التسريب إلى رصد مكالمة هاتفية للأمير محمد بن سلمان مع مستشاره سعود القحطاني في أغسطس عام 2017، تضمنت طلبه القيام بمحاولات لإغراء خاشقجي بالعودة إلى السعودية واتخاذ تدابير معينة خارج المملكة إذا لم تنجح محاولات استدراجه، وذلك ما تفهم فيه "وال ستريت جورنال" إشارة لبدء تنفيذ الجريمة.

الجديد في هذه التسريبات أن ولي العهد السعودي بعث 11 رسالة هاتفية على الأقل إلى المستشار عينه الذي يصفه التقرير بأنه "المشرف عن بُعد على الاعتيال"

الجديد في هذه التسريبات أن ولي العهد السعودي بعث 11 رسالة هاتفية على الأقل إلى المستشار عينه الذي يصفه التقرير بأنه "المشرف عن بُعد على الاغتيال"، وذلك قبل ساعات من عملية الاغتيال وبعدها، أمر لافت للانتباه أن يصدر هذا عن ابن سلمان، لكن اللافت أكثر أن يكون هذا التواصل المكثف في يوم اغتيال خاشقجي ومع المستشار آنذالك بديوان ولي العهد سعود القحطاني.

اتصالات وكم هائل من الرسائل لاقت الانتباه في غضون ساعات تقابلها السفارة السعودية في واشنطن بالنفي، حيث نشرت الصحيفة تعليقًا من السفارة السعودية في واشنطن جاء فيه أن "ولي العهد يتصل بمسؤولين كبار في الديوان الملكي للحديث بشأن قضايا مختلفة، وأنه لم يتصل مع أي مسؤول من أجل إلحاق الأذى بخاشقجي"، فهل يمكن الوثوق ببيان السفارة؟

صورة تجمع محمد بن سلمان وسعود القحطاني 

أولاً: السفارة توجد في وضع استثنائي بعد أن غادرها السفير السعودي، وهو الأمير خالد بن سلمان شقيق ولي العهد ولم يعد إليها حتى الآن، رغم أن قضية خاشقجي برمتها قد تُحسم في واشنطن.

ثانيًا: بيانات سابقة للسفارة تجعل الوثوق فيما يصدر عنها أمرًا لا يخلو من صعوبة، فالجميع يتذكر هنا قولها إن الكاميرات داخل القنصلية في إسطنبول كانت معطلة، ليكذبها النائب العام السعودي شخصيًا عندما قال في إحدى الروايات السعودية إن رجلاً من فريق الإعدام عطلها عمدًا.

دلالات التسريب

نتحدث عن كشف لا يخلو توقيته من الدلالات، فهو يأتي في وقت يشارك فيه كل من ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة العشرين، ويرجح مراقبون أن يكون وسيلة للضغط عليهما معًا ومنعهما من التقاط الأنفاس، والمثير هنا أن هذا الضغط صادر من واشنطن ومن صحيفة محسوبة على المحافظين.

فهل يزيد من حرج الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي الموجود كلاهما في الأرجنتين؟ هناك يتحرك ولي العهد السعودي في الخارج ويغامر بالمشاركة في قمة العشرين ويتحمل إهانة الوقوف وحيدًا والقادة يمرون أمامه وكأنه غير موجود من أجل أن يقنع العالم بأن قضية خاشقجي لا تعنيه أو بالأحرى لا تأثير لها عليه.

التسريب الجديد قد يعمق مخاوف الأمير الشاب الذي لجأ إلى سفارة بلده حتى يأمن من أصوات المحتجين وتساؤلات الصحفيين والدعاوى القضائية التي تلاحقه

لكن القضية تلاحقه بتفاصيلها التي لا تكاد تنتهي، فالتسريب الجديد قد يعمق مخاوف الأمير الشاب الذي لجأ إلى سفارة بلده حتى يأمن من أصوات المحتجين وتساؤلات الصحفيين والدعاوى القضائية التي تلاحقه، وقد تكون اختبارًا أشد قسوة مما لقيه خلال القمة من تجاهل لم تبدده لبرهة سوى مصافحة الرئيس الروسي اللافتة.

وباستثناء بوتين، تحاشى الرئيس الأمريكي نفسه ابن سلمان إلا من سلام عابر، وحتى القادة الذين حدثوه لدقائق على هامش القمة كان اقترابهم للتقريع الذي لم تقو ابتسامات الأمير على مداراته، فالجميع تابع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يخاطب ولي العهد السعودي بأسلوب لا يخلو من تأنيب، قال ماكرون لولي العهد إنك لا تسمعني وكرر ذلك.

وفي هذا إشارة على الأرجح إلى استهتار ابن سليمان بكلام سابق لماكرون، لكن يبدو أن هذا الاستهتار أسلوب درج عليه ولي العهد السعودي، فقد نشرت "وول ستريت جورنال" مقالاً العام الماضي قالت فيه إن ولي العهد من اشترى لوحة "المخلِّص"، وإنه تحت الأضواء وتحت رقابة الاستخبارات والمسؤولين الأمريكيين.

من حق الرئيس الفرنسي أن يفعل، لأن الأمير - كما قال - لا يستمع إليه أبدًا، ومن حق الأمريكيين أيضًا أن يفعلوا، لأنه لم يتلق كثيرًا من إشاراتهم قبل جريمة خاشقجي وغيرها، أقلها ما كشفته تقارير استخبارتية قبل شهر عن أن المسؤولين في واشنطن يراقبون الأمير محمد بن سلمان عن كثب.

لعلهم كان يرصدون سلوكه وتحركاته منذ ما قبل اقتنائه سرًا اللوحة الأعلى سعرًا في تاريخ المزادات العالمية، لكن ولي العهد لم يبال بهذا، فكلف القحطاني بعمليات أخرى قبل اغتيال خاشقجي كما تشير الصحيفة، بل إن القحطاني ما زال يمارس مهام مستشار بالديوان الملكي يوجه التعليمات للصحفيين وينسق اجتماعات لولي العهد رغم إعفائه ورغم أن هذا الإعفاء في حد ذاته دليل إدانة.

ورقة ضغط جديدة  

توافق التسريبات الجديدة تسريبات سابقة غير دارجة لتقييم الاستخبارات الأمريكية الذي يحرص البيت الأبيض - كما يبدو - على عدم اتساع دائرة المطلعين عليه، فقد سبق أن خلُصت "سي آي إيه" في تقييم لها إلى أن ولي العهد السعودي من أمر بقتل الصحفي.

واطلعت الوكالة على معلومات استخباراتية مختلفة من ضمنها اتصال أجراه الأمير خالد بن سلمان مع خاشقجي، حيث دعاه لزيارة القنصلية في إسطنبول لاستخراج الأوراق اللازمة، وقدم له تطمينات وتأكيدات أن الأمر سيكون آمنًا.

يتحمل ابن سلمان إهانة الوقوف وحيدًا في قمة العشرين والقادة يمرون أمامه

ورغم ذلك، شكك ترامب في تقييم "سي آي إيه"، لكن الذين اطلعوا عليه من أعضاء الكونغرس قالوا إن الرئيس الأمريكي لم يكن صادقًا مع الأمريكيين، لذلك فإن الكشف الجديد سيزيد حماسة المشرعين من الجمهوريين والديمقراطيين للمضي في تحدي موقف الرئيس، وإقرار تشريعات تُعلي مصلحة البلد - كما يقولون - لا مصلحة ترامب.

في ضوء هذه التسريبات المتلاحقة، ممن المقرر أن تتزايد الضغوط على ولي العهد لتقديم إجابات عن الأسئلة العالقة في قضية مقتل خاشقجي، كما طالبه بذلك عدد من الرؤساء وقادة الدول، وقد فعل ذلك رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، ورئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مؤتمر صحفي بختام قمة مجموعة العشرين في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس. 

رغم دفاع الرئيس الأمريكي المستميت عن حليفه ولي العهد السعودي، فإن موقف الأخير يزداد سوءًا، الأمر الذي يجعل السعودية بقيادة أميرها الشاب عرضة للممارسات المتهورة

وكانت السلطات الكندية قد فرضت الخميس الماضي عقوبات على 17 سعوديًا لارتباطهم بمقتل الصحفي خاشقجي، لتحذو بذلك حذو الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، وقال بيان لوزارة الخارجية الكندية إن العقوبات تشمل حظر سفرهم وتجميد أصولهم، هذا فضلاً عن عدد من الدول الغربية التي تتلهف لهذه المعطيات لاتخاذ قرار حظر تصدير الأسلحة للسعودية.

ورغم دفاع الرئيس الأمريكي المستميت عن حليفه ولي العهد السعودي، فإن موقف الأخير يزداد سوءًا، الأمر الذي يجعل السعودية بقيادة أميرها الشاب عرضة للممارسات المتهورة في ظل ما يبدو أنه تفكير محدود جدًا بالعواقب، سواء أكان حصار قطر أم احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أو الخلاف مع كندا دون الحديث حتى عن حرب اليمن.