أينما حل أو نوى أن يحل، وجد الاحتجاجات الشعبية في انتظاره، هذا حال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي تلاحقه انتقادات كبيرة نتيجة سجله الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان داخل المملكة وخارجها، انتهاكات كثيرة، كانت كفيلة وفق تقارير حقوقية، بإحراج ابن سلمان أمام شعوب العالم حتى تلك التي لم تعتد الخروج إلى الشوارع للاحتجاج، وهو ما ينطبق على موريتانيا التي التحقت بالركب.

احتجاجات متواصلة

عبّر المئات من الموريتانيين، خلال احتجاجاتهم المتواصلة منذ أيام، عن رفضهم الشديد للزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى بلادهم، والمبرمجة غدًا الأحد، الـ2 من شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل، بعد انتهاء مشاركته في قمة العشرين المتوقع انعقادها في بوينس أيرس في الأرجنتين.

وفي آخر تحرك احتجاجي لهم، تظاهر المئات في محيط المسجد الجامع بالعاصمة نواكشوط، عقب صلاة الجمعة أمس، رافعين صورًا كتبت فوقها كلمات رفض لزيارة ابن سلمان، وقال المحتجون إنه لا مكان لولي العهد السعودي على أرض موريتانيا لمسؤوليته عن سجن العلماء والمفكرين والدعاة.

وندد المحتجون الذين خرجوا تلبية لنداء من المبادرة الطلابية لمناهضة الاختراق الصهيوني وللدفاع عن القضايا العادلة، بالزيارة ووصفوا الرجل بالقاتل، كما حمّلوا ابن سلمان مسؤولية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ونددوا أيضًا بقتل الأبرياء في اليمن والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وفق الموريتاني أعلي الكوري الشين.

ويزور العاهل السعودي، موريتانيا في إطار جولته العربية الأولى منذ توليه منصبه، واستهل محمد بن سلمان هذه الجولة بزيارة حليفته الإمارات، وشملت الجولة أيضًا مصر والبحرين وتونس، على أن تشمل أيضًا الجزائر لإجراء محادثات بشأن تطورات الوضع في اليمن وسبل مواجهة الإرهاب وملف إيران ومسار عملية السلام في الشرق الأوسط.

تعد زيارة ابن سلمان لنواكشوط الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ أكثر من أربعة عقود

قبل هذا التحرك الاحتجاجي، نظمت نفس المبادرة الطلابية وقفة احتجاجية داخل كلية القانون في جامعة نواكشوط، رفضًا لزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى موريتانيا، وهتفوا بشعارات بينها "لا مرحبا بقاتل أطفال اليمن" و"نرفض زيارة من باع فلسطين".

بالتزامن مع ذلك دعت المبادرة في بيان لها السلطات الموريتانية إلى الاعتذار عن الزيارة "استجابة لرغبة الشعب الموريتاني"، ودعت "المبادرة الطلابية لمناهضة الاختراق الصهيوني والدفاع عن القضايا العادلة" الشعب الموريتاني إلى الوقوف صف واحد رفضًا لهذه الزيارة التي وصفتها بـ"البائسة" والتصدي لها بكل حزم وقوة.

وأضاف البيان "في سباق مفضوح مع إعلان النتائج النهائية للتحقيق الذي تقوم به السلطات التركية، تطالعنا وسائل الإعلام بالإعلان عن زيارات مرتقبة لقائد التطبيع العربي الصهيوني محمد بن سلمان لدول عربية من بينها موريتانيا، في محاولة يائسة من الدبلوماسية السعودية للالتفاف على الحقائق سعيًا منها لتبديد الشبهات التي تطارد الرجل حيثما حل وارتحل".

صورة ملطخة بقتل الأبرياء

يرى العديد من الموريتانيين الذين خرجوا للاحتجاج أن زيارة محمد ابن سلمان المرتقبة لبلادهم الهدف منها تبييض صورته وإيصال رسالة لقادة العالم مفادها أن المحيط العربي لابن سلمان يدعمه ويقف في صفه ضد التهم الموجهة إليه.

ويقول الموريتاني أعلي الكوري الشين في حديثه لنون بوست: "الزيارة تهدف لتبييض صورة ابن سلمان الملطخة أصلاً بقتل الأبرياء في اليمن وسجن الدعاة الناشطين في المملكة والتطبيع الفاضح والصريح مع الكيان الصهيوني"، مضيفًا "ما زاد الطين بلة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي بصورة بشعة وتورط ابن سلمان في الجريمة"، يذكر أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) خلصت إلى أن مقتل خاشقجي، جاء بأمر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حسبما أفادت تقارير إعلامية أمريكية.

تعد زيارة ابن سلمان لنواكشوط الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ أكثر من أربعة عقود، حيث كانت آخر زيارة قام بها مسؤول سعودي بهذا الحجم إلى موريتانيا سنة 1972، حين زار العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز البلاد، أي بعد استقلالها بـ12 سنة.

بدوره يقول ممدوح ولد الداه: "بكل اختصار، جميع الموريتانيين أو لنقل معظمهم في مختلف مناطق البلاد لا يرغبون أن تطئ قدما محمد بن سلمان أرضهم الشريفة، ويرفضون زيارته المرتقبة جملة وتفصيلاً لعدة أسباب".

وعن أسباب هذا الرفض الشديد يقول ولد الداه "نرفضه لأنه قاتل الأبرياء في اليمن وإريتريا وينتهك حرمات الإنسان، ويسجن العلماء والدعاة الأبرياء في سجونه الموحشة، ويطبع مع الصهاينة الإسرائيليين، فضلاً عن تورطه في الجريمة الأخيرة التي هزت العالم وهي قتل خاشقجي".

مواقع التواصل الاجتماعي تتحرك رفضًا للزيارة

الاحتجاجات الرافضة للزيارة المرتقبة لابن سلمان لم تكن تقتصر على الشارع والجامعات فقط، فقد وجدت لها صدى كبير في مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا، ورأى عدد من الناشطين الموريتانيين أن بلد العلم والعلماء وحفاظ القرآن لا يشرفها استضافة ابن سلمان.

وتحت هاشتاغ لا أهلاً ولا سهلاً بقاتل خاشقجي، كتبت الصحفية والناشطة السياسية الموريتانية منى ديا في حسابها الشخصي على موقع توتير تدوينة جاء فيها "زيارة محمد بن سلمان لا تشرفنا في موريتانيا لأنه قاتل مجرم".

بدوره نشر ناشط يحمل اسم "أحمد أبداوا" صورة لابن سلمان على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعي "توتير"، كتب فوقها "زيارتك لا تشرفنا أيها القاتل"، للتعبير عن تنديده بالجريمة البشعة التي راح ضحيتها الصحفي جمال خاشقجي.

الموريتاني يُبَ الْحَاجِي، اختار أن يعبر عن موقفه من زيارة ابن سلمان لبلاده بطريقته الخاصة، حيث نشر صورة مركبة على حسابه بـ"تويتر" يظهر فيها ولي العهد السعودي وهو ماسك بيده منشار كهربائي، وكتب فوقها "سنعطي لكل قنصلية منشار".

في ذات السياق، دعا الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) محمد جميل ولد منصور، لرفع الصوت ضد الزيارة المقررة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لموريتانيا، وقال في تدوينة عبر حسابه الشخصي على فيسبوك: "من المناسب أن نرفع الصوت ضد هذه الزيارة وضد صاحبها فرائحة الدم تفوح من كل صفقة أو تفاهم أو دعم تسوغ به هذه الزيارة".

وجاء الإبداع من الموريتاني محمد حبيب الله الذي نظم قصيدة في هذا الغرض بدأها بقوله: "طلع الدب علينا من ثنيات المطار وجب الرد علينا قبل تفعيل المنشار.." وختمها بقوله: "لا لا مرحبا ولا أهلا بقاتل المسلمين المجرم الذي يجب عليه أن يتخلي عن اسمه لأنه لا يستحقه".

إحراج للسلطات الحاكمة

هذه الاحتجاجات المتواصلة ميدانيًا وافتراضية من شأنها أن تحرج السلطات الحاكمة في البلاد، التي ما فتئت تصدر بيانات ومواقف لتبرير ما يقترف النظام السعودي، خاصة ولي العهد محمد بن سلمان، رغبة منها في مزيد من التقرب من المملكة على حساب المبادئ الإنسانية.

وقبل أيام، أعلنت السلطات الموريتانية ترحيبها بالبيان الذي صدر عن النيابة العامة في المملكة العربية السعودية بشأن ملابسات مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي، وأصدرت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون بيانًا أعلنت فيه، أن "الجمهورية الإسلامية الموريتانية ترحب بالبيان الذي صدر عن النيابة العامة في المملكة العربية السعودية بشأن ملابسات مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي وبما تضمنه من إجراءات".

يرى موريتانيون أن دبلوماسية بلادهم مرتهنة بالسعودية وتوجهاتها، ما يهدد السيادة الوطنية، وعبر النائب في البرلمان الموريتاني الصوفي ولد الشيباني، عن أسفه لما أسماه "تحول الخارجية الموريتانية إلى إدارة ملحقة بوزارة الخارجية السعودية".

وأشار في تدونية على حسابه الشخصي في "فيسبوك" إلى أن الخارجية الموريتانية أصبحت تصدر نفس المواقف بمجرد إعلانها من الخارجية السعودية حتى في المسائل التي يفترض أنها شأن سعودي لا يتعلق بالدول ذات السيادة.

زيارة ابن سلمان المنتظرة لموريتانيا، من شأنها أن تزيد في قيمة الدعم المادي والمعنوي للنظام الموريتاني الذي يسعى إلى تثبيت حكمه، وفق بعض الموريتانيين، إلا أنها ستكشف أيضًا اتساع الرفض الذي بات يواجه ابن سلمان في كل مكان يحل به.