تُسابق "إسرائيل" الزمن، وتحاول استغلال كل الظروف الإقليمية المحيطة بها، لإنجاز "حلمها الكبير"، بربط "تل أبيب" مع عواصم عربية، بسكة حديد يمر عليها "قطار التطبيع"، ليرسم خلفه خط علاقات جديد بين دولة الاحتلال والدول العربية التي تسمى بـ"المعتدلة".

خلال الشهور الأخيرة حققت "إسرائيل" تقدم ملموس في تاريخ علاقتها مع الدول العربية من بينهم مصر والأردن والبحرين والسعودية والإمارات وسلطنة عمان وقطر، لكن أكبر المتفائلين لم يكن يتوقع أن تترجم تلك العلاقات "الخجولة" إلى زواج واعتراف بوثائق رسمية.

"متى سيُنجز مشروع العمر؟"، سؤال بات يطرح بقوة داخل الأوساط السياسية في "إسرائيل"، لتأتي الإجابة الواضحة من قبل المسئولين الإسرائيليين وعلى رأسهم رئيس الحكومة بينيامين نتنياهو، "بأنه اقترب، والعلاقات مع الدول العربية تتطور وستشهد تحول تاريخي".

ومن المتوقع أن تعرض "إسرائيل" خلال أيام مشروعا لخط سكك حديد يربطها والبحر المتوسط بدول منطقة الخليج ومنها السعودية في محاولة جديدة منها لاستمالة البلدان العربية.

ينطلق هذا خط من ميناء حيفا مرورا بالأردن ثم الطرق القائمة إلى الخليج

وذكر المكتب الإعلامي لوزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أنه سيلقي من سلطنة عمان، التي يقوم حاليا بزيارة رسمية إليها، كلمة خلال مؤتمر للاتحاد الدولي للنقل البري الجارية أعماله منذ الثلاثاء، وذلك على الرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية لإسرائيل مع الدولة العربية.

مرحلة التطبيع العلني

وأضاف المكتب الإعلامي لكاتس، أن زيارة الوزير "تاريخية لأنها تسمح بتوطيد العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج"، ومن المرتقب أن يعرض كاتس أمام المشاركين في المؤتمر الدولي للمواصلات الذي سيعقد في عاصمة سلطنة عمان مسقط، مبادرته المشتركة مع نتنياهو، التي أطلق عليها اسم "سكك السلام الإقليمي"، وهو مشروع يهدف إلى الربط بواسطة القطارات بين البحر الأبيض المتوسط ودول الخليج عبر "إسرائيل"، كجسر بري، وعبر الأردن، بوصفه محور مواصلات إقليميا.

ويستطيع هذا المشروع أن يمنح دول الخليج العربية إمكانية الحصول على منفذ مباشر على المتوسط بالقطار، وينطلق الخط من ميناء حيفا مرورا بالأردن ثم الطرق القائمة إلى الخليج، وكان كاتس ذكر الشهر الماضي أنه عرض مشروعه على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال لقاءات حكومية. وأعلن أن الحكومة الألمانية تدرس باهتمام مشاركة ألمانيا في المشروع.

ورحبت الإدارة الأمريكية على لسان مبعوثها الخاص المعني بقضية الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، بالمبادرة ، الذي دعا لدعم الحوار بين إسرائيل والدول العربية.

فيديو نشره الإعلام العبري يوضح خط سير قطار التطبيع

ويأتي ذلك بعد أقل من أسبوعين على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي لسلطنة عمان، الأولى منذ أكثر من عقدين.

وهذه آخر محاولة إسرائيلية للإفادة من الواقع الإقليمي الحالي بدءا بالمفهوم المشترك للتهديد الإيراني ولتخطي عقود من العداء مع الدول العربية.

وعلى ضوء هذا التطور، لم تعد الدول العربية تجد حرجاً أو مانعاً من المجاهرة من الإعلان عن إجراءات تطبيعية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، في زمن بات فيه الحق الفلسطيني أضعف من أن يقف إلى جانبه حتى بنو جلدته من العرب!

محللون وخبراء في الشأن الإسرائيلي أكدوا أن السعودية ودولاً عربية أخرى مثل الأردن ومصر والإمارات قد فتحوا فعلياً صفحة علاقات جديدة مع دولة الاحتلال، وخط القطار سيكون بداية لعصر ذهبي جديد بين الطرفين.

وتتزايد العلاقات التطبيعية بين الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي بشكلٍ غير مسبوق، لا سيما في بلاد الخليج العربي "السعودية- الإمارات- قطر- البحرين-سلطنة عمان"، كما شملت اللقاءات العلنية التقاء نتنياهو بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخرًا، والملك الأردني عبد الله الثاني، في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن دعم سعودي لـ"إسرائيل" أيضًا.

يواجه التطبيع رفضًا شعبيًا عربيًا واسعًا، إذ تنطلق الحراكات لمناهضة المسابقات المشتركة التي تستضيف فرقًا إسرائيلية رياضية كانت أو فنيّة، كما ترفض بشكلٍ قاطع كافة أشكال التطبيع الرسمي بين الحكومات، في وقتٍ ترفض دول العالم استضافة رئيس حكومة الاحتلال وتعتبره بعضها مرفوضًا وترى في "إسرائيل" دولة احتلال، تنتهك حقوق الإنسان.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس

العصر الذهبي

محللون وخبراء في الشأن الإسرائيلي أكدوا أن السعودية ودولاً عربية أخرى مثل الأردن ومصر والإمارات قد فتحوا فعلياً صفحة علاقات جديدة مع دولة الاحتلال، وخط القطار سيكون بداية لعصر ذهبي جديد بين الطرفين.

ويقول مؤمن مقداد، الخبير في الشأن الإسرائيلي: إن "السعودية قد نجحت في تحقيق حلم دولة الاحتلال بالقطار الذي سيكون عابراً للقارات ويخترق العواصم العربية "المعتدلة"، ليجتاز كل الحدود والعقبات الإقليمية التي كانت تجعل من هذا الحلم صعباً حدوثه.

ويضيف مقداد أن "الدول العربية تجاوزت فعلياً مرحلة التطبيع وبدأت بمرحلة أكثر خطورة تتمثل بإنشاء تحالفات أمنية وإستراتيجية واقتصادية مع "إسرائيل"، وهذا بالنسبة لدولة الاحتلال انتصار كبير قد تحقق في اختراق كل الدولة العربية برضا وقبول زعمائها.

ويلفت النظر إلى أن خط سكة الحديد في حال تم افتتاحه فعلياً العام المقبل (2019)، فسيكون ضربة قوية وموجعة للقضية الفلسطينية، ويكشف كذلك زيف الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، التي تتغنى بالقضية الفلسطينية وتتحدث عن الدعم وتقديم المساعدات للفلسطينيين.

ومنذ توليه منصب ولاية العهد، في يوليو 2017، رسم ولي العهد السعودي صورة لمستقبل العلاقات الاقتصادية بين الرياض و"تل أبيب"، وقال، في تصريحات سابقة له إن "إسرائيل تشكّل اقتصاداً كبيراً مقارنة بحجمها، كما أن اقتصادها متنامٍ"،  مما أثار الكثير من ردود الفعل الغاضبة، ودل على أن التطبيع السعودي مع الاحتلال بدأ يأخذ شكلاً علنيّاً.

يقول الكاتب والمحلل السياسي خالد صادق، إن : "هذا المشروع طرحته إسرائيل مراراً أثناء محادثات السلام والمفاوضات السرية والعلنية مع الدول العربية، وقد تزايدت فرص تحقيقه مع وصول ترامب للحكم وطرحه لما يسمى بصفقة القرن

ويوضح الخبير في الشأن الإسرائيلي، أن قطار التطبيع قد قطع مسافة كبيرة، ولا يمكن لدولة الاحتلال أن تعلن عن هذا المشروع الضخم والأول من نوعه إلا بعد حصولها على ضمانات عربية ودولية لتشغيله، وكذلك توفير مصادر تمويله من نفس الدول العربية التي وافقت عليه.

ويشير إلى أن "إسرائيل" لم تبق عدواً للكثير من الدول العربية وعلى رأسها السعودية، بل باتت حليفاً هاماً في المنطقة، وهي ضمن مخطط الشرق الأوسط الجديد، الذي ستكشف عن ملامحه "صفقة القرن" التي شارفت على الانتهاء وسيتم طرحها خلال شهور قريبة، وتعتمد على تهميش القضية الفلسطينية بعيداً عن حل الدولتين واللاجئين، وتوطيد العلاقات العربية والخليجية بـ "إسرائيل".

وذكر أن "السكة الحديدية" التي يتم الحديث عنها هي جسر سياسي واقتصادي بين الدول العربية ودولة الاحتلال، وصورة من التطبيع العلني في المنطقة، متوقعاً أن يكون "القطار" مجرد بداية لمراحل أقوى في اللقاءات والعلاقات والمشاريع الاقتصادية والأمنية والإستراتيجية أكثر تأثيراً، وقد تغير وجه المنطقة بأكملها.

وعن تفاصيل وخطورة مشروع "القطار التطبيع"، وما أسمته "إسرائيل" بـ"سكة السلام الإقليمي"، على أرض الواقع، يقول الكاتب والمحلل السياسي خالد صادق، إن : "هذا المشروع طرحته إسرائيل مراراً أثناء محادثات السلام والمفاوضات السرية والعلنية مع الدول العربية، وقد تزايدت فرص تحقيقه مع وصول ترامب للحكم وطرحه لما يسمى بصفقة القرن، التي تستند بشكل أساسي على التمكين لـ»إسرائيل» وجعلها الطرف المتحكم الرئيس في سياسات دول الشرق الأوسط واقتصادها وأمنها".

ويضيف صادق: "كما تزايدت فرص تحقيق هذا المشروع مع حالة التناغم السياسي بين السعودية والبحرين والإمارات من جهة و"إسرائيل" من جهة أخرى، حيث التقت المصالح وتشابكت الأهداف بينهم، واقتربت فرص التطبيع وإقامة العلاقات المباشرة بينهم برعاية إدارة ترامب التي تسعي لفك عزلة "إسرائيل" في المنطقة.

وحذر المحلل السياسي من خطورة تنفيذ هذا المشروع فلسطينياً وعربياً، مؤكداً أن دولة الاحتلال نجحت في فك عزلتها وتمكنت من اختراق الجدار العربي الذي يستند إليه الفلسطينيون لدعم قضيتهم، ومشروع "القطار" سيدر على دولة الاحتلال أرباحاً هائلة تمكنها من السيطرة في المنطقة والتحكم بخيراتها ومصادر دخلها، ويدخلها باب التعايش الطبيعي مع العرب على حساب حقوق القضية الفلسطينية