في الدرس الخلدوني أن التمدن غاية البدوي يجري إليها. اختلفنا في تسمية التمدن فصار التحضر لكن المضمون لا يزال السعي البدوي الدائم إلى أخذ موقع في المدينة. أبان الثورة تحدثنا عن الثأر الرمزي ورأينا خيمة القبيلة منصوبة أمام مقر الحكومة في قلب القصبة وهي مكان الحكم منذ قرنين أو يزيد. لكن هل كان الثأر الرمزي بما هو بحث عن عدل شامل وكامل مطلب الشارع الثائر أم مطلب النخب؟ لم يمكن الإجابة عن السؤال حتى أعدت الإجابة نفسها وتقدمت خلال ثمان سنوات من الثورة.

سقط الثأر وتقدمت عليه مطالب النخبة في التمدن بصفته هدفا يسعى إليه معزولا عن موجة الثورة. الباحثة عن العدل لقد نصب النظام فخاخه ستسمي النخبة ذلك اندماجا. ويبدو أن أخر الواقعين في الفخ هم قيادة الحزب الإسلامي القادم من عمق البداوة أو في أفضل الحالات من هامش الدولة المقموع. نحتاج هنا إلى بعض الاستعادات المنهجية لنفهم من وقع أولا ومن وقع ثانيا ونفهم طبيعة فخ النظام وطرق عمله.

استيعاب النظام (المنظومة) لليسار

اليسار التونسي أولا والإسلاميون لاحقا يلتقون في نقطة مهمة هما أنهما من منحدر اجتماعي واحد. فهما في غالب أعم من أصول ريفية ترقوا بالمدرسة الحديثة واندمجوا في الوظيفة والمهن الحرة التي فتحتها الدولة المستقلة كالمحاماة والطب. فكان النضال من أجل الاندماج في النظام وأخذ موقع يثبت ذلك. كان كل هذا مشروعا أخلاقيا وسياسيا فالحق في المدينة حق مقدس.، غير أن المدينة ليست منفتحة بما يكفي ليجد الجميع مكانه ولا أعني هنا بالمدينة مجموع مبانيها أو طرقاتها. بل هي عملية استيلاء متواصلة على الغنم المادي والرمزي بما يقتضيه من إغلاق منافذ تسرب الدخلاء إلى المكان المحتكر سياسيا وثقافيا.

لم يمكن لليسار التسرب حتى دفع ضريبة الدم، وخرج منها ذليلا زاحفا يؤدي طقوس الطاعة للمدينة وصار كل سعيه خدمتها من خارجها دائما والمحظوظ من وضع قدما داخلها بثمن من كرامته (غير مهم هنا حديث المبادئ والايدولوجيا واليسارية الثورية التقدمية فكل هذه تبريرات لرغبة في الاندماج لا يمنح إلا بالتخلي عن الأصل ) وقد تخلى اليسار عن أصله الريفي أولا فصار من المدينة كما كان ابن خلدون يقول ولكن الطلب لم يتوقف. لقد ظهر الإسلاميون طلاب جدد للحق في المدينة.

يجري الآن في حزب النهضة ما كان جرى لليسار الحركي في مطلع الثمانيات وما كان جرى ليسار الحزب الشيوعي الثقافي في السبعينات. التخلي مقابل الاندماج دون وعد بالانتماء الفعلي.

دفع الإسلاميون ضريبة الدم. وكان ثمنا مكلفا لكن الطلب لم يلغ. عاد مع الثورة وعلى كتفيها. وبدأ الإسلاميون يتوهمون الاندماج. ولقد أعلنوا ذلك صراحة. قبلوا وسائل النظام ورضخوا لشروطه وحازوا أول المواقع ووضعوا بصمتهم على الدستور (وسيلة الاندماج الخادعة). ومازلت الغالبية منهم في طريق البحث عن موقع لكن ما حظوظ الإسلاميين في النجاح من الفخ الذي نصبه النظام لليسار فوقع فيه معتقدا أنه اندمج وصار من أهل المكان.

إني أرى الإسلاميين في نفس الطريق وستكون القيادة الحالية (دون الحاجة إلى جيل ثان) هي مهندسة التخلي عن الأصل (البدوي/الريفي/الهامشي) لتجد لنفسها موقعا ثم تذوب بقية المكونات إلى حيث ستذهب القيادة بينما يجد قطاع واسع نفسه يراوح في مكانه فيعود إلى طلب الثأر الرمزي.(المدينة لا تقبل الجميع).

الأبواب المفتوحة عبر وسائل مشروعة، عندما يطرح المناضل السؤال هل يتناقض السعي إلى التملك والكسب المادي مع الالتزام النضالي مع الفقراء فهو يكون بصدد فتح باب جانبي لمصلحته الخاصة ليحقق رغبة في الاندماج الفردي. لا شيء يمنع ذلك لكن ذلك هو نفسه باب التخلي النضالي لصالح الحل الفردي الذي سيترجم سياسيا بواسطة الحزب (الذي يصير وسيلة تغطية ).

سنسمي هذا تبرجز القيادة أي سلوكها سلوكا برجوازيا يمنح أفراد  القيادة مكاسب خاصة (ليس بالضرورة ضد القانون أو بمخالفته). القيادة تحول الحزب إلى وسيلة تبرير للسلوك الفرداني للقيادة. تدار عملية التبرير عادة بخطاب الديمقراطية الواقعي. هذه الواقعية هي طريق تغيير المشروع من مشروع ثوري إلى وضع تابع للنظام الذي هو ضمانة المكسب الفردي.

يجري الآن في حزب النهضة ما كان جرى لليسار الحركي في مطلع الثمانيات وما كان جرى ليسار الحزب الشيوعي الثقافي في السبعينات. التخلي مقابل الاندماج دون وعد بالانتماء الفعلي.

أسوار المدينة لا تزال

كانت الأسوار الحجرية لحماية المدينة من عدو بعيد. لكنها كانت تحميها أيضا من جوارها الريفي الهمجي. لما انتقل حكم المدينة إلى قيادة الاستقلال هدم الزعيم الأسوار وأبقى منها مواضع رمزية تشير إلى أنها صارت من التاريخ. أبواب مفتوحة ظاهرا لكن المدينة مغلقة على نفسها.

السياسة والقوة التي تمنحها المدينة (موضع التمدن وعنوانه) لا يمكن تقسيمها إلا ضمن رأس وأذناب أو مالك أصلي وخادم له

مدينة هوية لأصحابها (لا يهم هنا متى تملكوها وبأي حق وبأية وسيلة) تمنع التنازل عنها لمن خارج الأسوار. هذه معركة بين داخل(intramuros) وخارج( extramuros) معركة قديمة لا تموت. وآخر القادمين لاقتحام الأسوار هم الإسلاميون غير أنه لن يسمح لهم بالدخول إلا بالتخلي عن ملبسهم القديم. أن لا يكونوا كي يكونوا ضمن النظام لكن النظام لن يسمح باندماج كامل. أنه يذوب في كبريت هويته كل اختلاف.

السياسة والقوة التي تمنحها المدينة (موضع التمدن وعنوانه) لا يمكن تقسيمها إلا ضمن رأس وأذناب أو مالك أصلي وخادم له. نوع من التبعية الإقطاعية كما بين النبيل والقن ولو في عهد العولمة. هنا مدار المعركة. لذلك فكل تنازل من الريف الزاحف (الطرف) لن يقبل إلا بشكل يؤدي إلى المزيد من التنازل حتى الذوبان النهائي.

ذاب اليسار (الريفي/البدوي سابقا) في موقع الذنب غير المؤثر وجاء الدور على الإسلاميين. ورغم ظاهر القوة الحالي والاختلاف في موازن القوى(العددي) إلا أن ذلك غير مؤثر فعلا في فتح أبواب الاندماج

من هذه الزاوية أقرأ خطاب زعيم الإسلاميين الأخير. فتح الأبواب (لأبنائه) لكن في الحقيقة لمن تبرجز من أبنائه. بينما تحال أطراف الحزب إلى الهامش من جديد.

العفو عن الجناة ولو كان (في مرحلة أعداد مشروع قانون) هو طرق على باب التخلي / باب الاندماج. التخلي عن جزء من الأبناء (الأنصار) من أجل البعض الآخر في القيادة تصير مهمة القيادة المصادقة/التبرير(والتملك/التبرجز) ثم انتظار فتح الباب.

انتخابات 2019 هي أمل (مشروع) انتظار الدخول للمدينة ولكن بين حسابات الثار الرمزي وتبرجز القيادة مسافة حددها النظام. لقد ألقى الطعم ووقع الصيد، وفارق القوة الظاهرة غثاء، والخطاب الانتخابي نكت سمعناها فلا إسلام سياسي ولا مشروع أمة.

في قانون العصبية القديم كان السيف سباقا على القلم في وسائل العصبية الجديدة يصير القلم أو حبر الانتخاب وسيلة تسبق السيف ولكن من يملك تلوين الحبر الانتخابي هو من يحتفظ بمفتاح التمدن يمنحه متى شاء. كانت الثورة ترغب في كسر التمدن المنغلق على نفسه لكنها لم تملك نخبها التي لا تسعى إلى مكاسب صغيرة فتقع في فخ الاندماج.

لم يترك لنا الشيخ عبد الرحمن أملا في ظهور نخبة لا تستهدف تمدنها الفرداني.