في الـ24 من شهر سبتمبر/أيلول الماضي، استفاق أهل موريتانيا على خبر تطويق قوات الأمن لمركز تكوين العلماء الذي يرأسه العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو دون سابق إنذار، ليتم بعدها إصدار قرار بغلق المركز نهائيًا وسحب الترخيص منه.

قرار أرجعته السلطات الحاكمة في موريتانيا، لما ينشره المركز من "تطرف وغلو" وفق قولها، وهو قول مردود عليه وفق المشرفين على هذه المؤسسة التعليمية التي تسعى إلى إعداد علماء مؤهلين لاستيعاب إشكاليات الواقع، فما الأسباب الحقيقية التي دعت السلطات الموريتانية لمحاربة المركز ومن يقف وراءها؟

نشر الاعتدال والتسامح في البلاد ودول الجوار

يعتبر مركز تكوين العلماء الذي يتخذ العاصمة نواكشوط مقرًا له، مؤسسة تعليمية شرعية أنشأها ولد الددو منذ سنوات، وتسعى هذه المؤسسة إلى إعداد علماء مؤهلين لاستيعاب إشكاليات الواقع وتقديم الحلول الشرعية لها، وتخريجهم عبر المزاوجة بين التعليم النظامي والحديث، وما يعرف محليًا بـ"التعليم المحظري"، ويسهر على تدريس الطلبة القادمين من مختلف أنحاء العالم، 45 من كبار العلماء الموريتانيين.

هذا المركز ساهم في نشر الاعتدال والتسامح في موريتانيا منذ تاريخ إنشائه، وقد استفاد منه الكثير من الموريتانيين وفق قولهم، في هذا الشأن تقول الموريتانية حسنية فخري: "المركز معروف عندنا بأنه مؤسسة علمية رائدة تجمع بين حسنات التعليم التقليدي المعروف بالتعليم المحظري وحسنات التعليم النظامي الحديث، ويربي طلابه على الاعتدال والوسطية".

تضيف فخري في تصريح لنون بوست: "لقد استفاد كثير من أقاربنا طلاب وطالبات من مركز تكوين العلماء، وتحسنت حالهم وأصبحوا أفرادًا مميزين في المجتمع، فلا نعرف في منسوبي هذا المركز إلا ما هو إيجابي شهادة لله"، مؤكدة "قدّم المركز أناسًا صالحين يعلمون المجتمع ويدعون إلى الإصلاح والبعد عن التطرّف والالتزام بالنظم والبعد عن النعرات العنصرية والالتزام بعادات مجتمعنا وتقاليده والأخلاق الإسلامية والتراحم بين أفراد المجتمع ونشر الألفة والمحبة بين الناس".

لا يكتفي المركز بتقديم دروسه للطلبة القادمين من موريتانيا فقط، بل من مختلف أنحاء العالم

بدوره يقول المتحدث الرسمي باسم مركز تكوين العلماء إبراهيم ولد أعمر الكلي في تصريح لنون بوست إن المركز فكرة رائدة لتطوير المدارس التعليمية العتيقة التي حفظت هوية الموريتانيين، بعد أن عجزت الدولة عن تطويرها وعجز كثير من أهل العلم والخبراء الذين قدموا أطروحات جميلة غير أنها تجد طريقًا للتطبيق والتنفيذ.

ويؤمن المركز دروسه لـ520 طالبًا في أقسامه الأساسية، وفيه عدد كبير من الطلبة في الأقسام الموازية (دورات مفتوحة) التي يستفيد منها العرب والآسيويين، وقد تخرجت دفعة أئمة منهم دامت مدة دراستهم ثلاث سنوات، وقد تم تزكية المركز مؤخرًا من وزارة الشؤون الدينية.

ويتميز المركز عن الجامعات وفق لولد أعمر الكلي، بأنه يدرس العلوم الشرعية واللغوية بأسلوبها الأصيل وكتبها الشاملة، فهو يفرض على الطلاب الحفظ ويختبرهم ثلاث مرات في السنة ويجري لهم دورات في الحاسوب والبحث، فقد أخذ من التعليم المعاصر محاسنه وأخذ من التعليم الأصلي محاسنه".

ويقول في هذا الشأن الناشط بالمجتمع المدني خير الدين المعشعش: "هذا المركز هو تتويج لعديد من المجهودات الداخلية والخارجية للحفاظ على الموروث الإسلامي في العالم اعتمادًا على منهجية الموريتانيين أي الشناقطة".

وبيّن المعشعش، أن هذا المركز هو "الوحيد الذي لا نظير له من ناحية البرنامج والشروط غير الموجودة في أي مركز علمي إسلامي، ولربما حتى عالمي أكاديمي، كما أنه تحصّل على نجاحات عديدة، فبلاد شنقيط هي مصدر للعلماء الموسوعيين الفطاحلة".

لا يكتفي المركز بتقديم دروسه للطلبة القادمين من موريتانيا فقط، بل من مختلف أنحاء العالم خاصة دول الجوار، لذلك يقول العديد من الدارسين فيه إنه ساهم بقدر كبير في نشر قيم التسامح والاعتدال في المنطقة وخاصة في غرب القارة الإفريقية، فللمعهد صيت كبير هناك.

ويعتمد المركز في أداء رسالته، على الدراسات المنهجية والدورات العلمية والفكرية والندوات العلمية والمحاضرات، فضلاً عن التدريب والدعوة وتحقيق الكتب وإعداد الرسائل والبحوث والزيارات الميدانية والرحلات والبرامج التكميلية.

قرار مفاجئ

قرار الغلق، جاء أيام قليلة قبل انطلاق المركز في تقديم دروسه لهذه السنة الدراسية، وهو ما زاد من حيرة الموريتانيين، ويقول المتحدث الرسمي باسم المركز: "قبل شهر وعشرة أشهر، فوجئنا في إدارة المركز بالسلطات الموريتانية وهي تطوق المركز بسيارات الشرطة وتغلق أبوابه وتوصده أمام الطلاب، كنا في آخر العطلة وكان هناك عدد من الطلبة من غير الموريتانيين، ولم يقدموا أي قرار قضائي يفيد الغلق".

ويضيف في هذا الشأن "فوجئنا بهذا القرار الذي لا يحمل أي سبب، خاصة أننا كنا ننتظر أن تعتمد الدولة هذا المركز وشهادته وتتوجه وأن يزوره رئيس الجمهورية ويفخر به الموريتانيون كما يفخر به المسلمون في العالم".

العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو

أكد محدثنا قائلاً "هذا الاستهداف لا نعلم له سببًا"، ونفى أي علاقة للمركز بالسياسة وحزب تواصل الذي تصدّر أحزاب المعارضة في الانتخابات الأخيرة، وقال: "أساتذة المركز موالون ومعارضون وطلابه من مختلف الجهات والمشارب الفكرية ومنهم من لا علاقة له لا بالسياسة والتصوف أصلاً".

رغم فجائية القرار، فقد اعتبر محمد عال محمد محمود المعروف أن استهداف المركز ليس بالجديد، فقد تم استهدافه في العديد من المرات سابقًا، غير أن السلطات الحاكمة في البلاد تراجعت عن بعض قراراتها في تلك المرات.

من جهتها اعتبرت حسنية فخري أن قرار الإغلاق المفاجئ الصادر عن الحكومة يمثل أكبر جناية في حق المجتمع الموريتاني وفي حق دول الجوار الذين كانوا يستفيدون من المركز استفادة كبيرة ومهمة لما يقدمه القائمون عليه من دروس مهمة.

من جانبه أوضح خير الدين المعشعش، أن السلطات الموريتانية انتظرت فرصة وظروف سياسية داخلية وخارجية سانحة تسهل إيقاف عمل المركز، وتتبع مؤسسيه ومدرسيه وكل من كان فيه، ولم نجد تفاعلاً ولا محاولات لإعادة فتحه عن طريق الضغوطات وكأن الأمر مبرمج له من قبل بدقة، فالمركز ليس خاصًا بموريتانيا بل بالعالم الإسلامي أجمع ويدرس فيه جنسيات مختلفة، فهذا الصمت غريب ومخيف لأن وراءه إجراءات خطيرة.

تفاعل على مواقع التواصل

قرار السلطات الحاكمة في البلاد، قوبل برفض موريتاني كبير، حيث دشّن نشطاء، حملات في مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، توتير) للتنديد بهذا القرار والمطالبة بإعادة فتح المركز مجدّدًا حتى يعود إلى سالف نشاطه المعهود.

محمد مختار الشنقيطي، اعتبر أن هذا القرار فضيحة، وغرّد قائلاً: "إغلاق #مركز_تكوين_العلماء في موريتانيا فضيحة أخلاقية وسياسية، ومحاربة قبيحة للتعليم الإسلامي، وهدْرٌ أحمقُ لأهم رأسمال معنوي تملكه #موريتانيا، وهو مكانتها العلمية المعروفة في مجال الدراسات الإسلامية واللسان العربي".

بدوره كتب موريتاني يدعى الفتي عبد الرحمان الطلبة يعدد مناقب المركز في حسابه الخاص على موقع فيسبوك: "مركز تكوين العلماء معلمة شرعية وإضافة في تاريخ شنقيط نوعية هو عصارة العلوم الإسلامية وثمرة عطاء سنين خالية".

وطالب شخص يدعى أبو عبد الله نداء ممن اعتبرهم عسكر موريتانيا لإعادة فتح المركز وقال: "الحكام الجبناء هم من يسارعون لإرضاء الغرب الصهيوصليبي ومحاربة الإسلام والمسلمين، ياعسكر موريتانيا كونوا رجالاً شجعان وافتحوا مركز تكوين العلماء إرضاءً لله".

واعتبر موريتاني يدعى الجنيدي سعد بوه، أن قرار غلق المركز يضرّ الحكومة أكثر من المركز في حد ذاته، حيث كتب في هذا الشأن تدوينة على توتير جاء فيها: "إغلاق مركز تكوين العلماء لا يضر القائمين عليه أكثر مما يضر الحكومة الموريتانية التي لا تمتلك من أرصدة في الخارج إلا بما قدمته وتقدمه محاظرها ومعاهدها الدينية، فلولا سمعة من نبغ من الشناقطة في العلوم الشرعية لما كان لموريتانيا من ذكر ولا خبر".

استهداف الشيخ محمد الحسن ولد الددو

الناشط في حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض محمد عال محمد محمود المعروف، اعتبر أن إغلاق المركز استهداف مباشر للعلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو، لأنه "لا يسير في خط الدولة، ودائمًا ما ينتقدها، ويقف مع الحق والمظلومين، ويناصر الحق دائمًا في خطبه ومحاضراته".

وقال الناشط السياسي الموريتاني: "الشيخ ولد الددو يدعو إلى الله بعلمه ولا يخاف في الله لومة لائم، هذا ما يجعل الدولة تستهدفه لأنه لا ينافق ولا يطبل لحكم الظلم والكبت والاستبداد ولا يركع ولا يخنع أبدًا ويقول كلمته مهما كلّفه ذلك".

لا يمكن قراءة قرار غلق مركز تكوين العلماء في موريتانيا بمعزل عن قرارات أخرى اتخذتها سلطات البلاد الهدف منها ضرب جماعة الإخوان المسلمين

قبل غلق المركز، قال الداعية الإسلامي البارز محمد الحسن ولد الددو الذي يعد من أبرز المرجعيات العلمية الإسلامية بموريتانيا، ردًا على الرئيس ولد عبد العزيز الذي قال إن "إسرائيل" أرحم من جماعات الإسلام السياسي التي دمرت العالم العربي والإسلامي: "الدول العربية دُمرت بسبب الاستبداد والظلم وهي الأسباب الرئيسية لزعزعة استقرار الدول التي عصفت بها الاحتجاجات منذ نهاية العام 2010".

وأوضح المعارض محمد عال أن استهداف ولد الددو ليس جديدًا فقد استهدفوه من قبل من خلال غلق جمعية المستقبل التي تتبعه وبعض المراكز التابعة له، حيث كانوا يرسلون بين الفينة والأخرى لجنة من عند وزارة التوجيه الإسلامي لتفتيشه.

وأكد محدثنا أن هذا الاستهداف لم يقتصر على نظام ولد عبد العزيز، فقد سجن الشيخ ولد الددو لأكثر من سنتين خلال فترة حكم الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، لأنه عارض العلاقات مع الكيان الصهيوني الغاصب وأبى الخنوع لذلك الحكم، وقد أطلق سراحه سنة 2005 عقب الانقلاب.

استهداف ضمني لجماعة الاخوان

لا يمكن قراءة قرار غلق مركز تكوين العلماء في موريتانيا بمعزل عن قرارات أخرى اتخذتها سلطات البلاد الهدف منها ضرب جماعة الإخوان المسلمين في البلاد والتضييق على نشاطها وترهيب الناس منها، بعد أن تيقن الرئيس ولد عبد العزيز بقدرة الجماعة على إقناع الناس بخطابها الذي يعارض حكمه.

فبالتزامن مع غلق المركز، سحبت السلطات ترخيصًا كانت قد منحته لجامعة عبد الله بن ياسين الخاصة التي يملكها الإسلاميون ويدرس فيها قادة من تيار الإخوان المسلمين في موريتانيا، وكان قرار سحب الترخيص مفاجئًا بالنسبة للقائمين على إدارة الجامعة التي كانت تستعد للسنة الأكاديمية الجديدة.

ويقول النظام الموريتاني إن هذه الإجراءات تدخل ضمن توجه للحكومة نحو ما تسميه "محاربة التطرف والغلو" الذي تتهم به بعض المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، وفي مقدمتهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو وحزب "تواصل" الإسلامي الذي تم الترخيص له في العام 2007.

وقفة احتجاجية رفضًا لغلق المركز

يرجع هذا حسب عدد من المطلعين على الشأن السياسي في موريتانيا إلى تصاعد قوة "تواصل"، وعرفت حركة تواصل في السنوات الأخيرة، صعودًا كبيرًا في المشهد السياسي والاجتماعي الموريتاني، حيث أخذت لنفسها مكانة معتبرة في المجالات السياسية والاجتماعية خاصة من خلال قدرتها التنظيمية والانكماش الحاصل في باقي أحزاب المعارضة والسلطة على حد سواء، إضافة إلى حالة السأم السياسي التي يمر بها الشباب الموريتاني.

وتعمل الحركة وفق قياداتها، على ملء الفراغ الناتج عن عسكرة الدولة وضعف المشاريع السياسية القائمة حاليًّا في الساحة الموريتانية، نتيجة إحكام نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز سيطرته على مفاصل الدولة وتطويعها خدمة لأهدافه وتوجهاته.

الإمارات سبب البلية

يقول العديد من الموريتانيين إن دولة الإمارات العربية المتحدة وبدرجة أقل المملكة العربية السعودية هما سبب البلية في بلادهم، ذلك أنهم يسعون جاهدين لتأزيم الوضع هناك خدمة لمصالحهم الإقليمية وضربًا لكل نفس إسلامي يخالف توجههم.

في هذا الشأن يقول الناشط في حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض محمد عال محمد محمود المعروف لنون بوست: "يرجع البعض ما يحصل إلى الضغوط التي تمارسها دولتا الإمارات والمملكة العربية السعودية، اللتين أصبحتا حلفاءً للكيان الصهيوني ويضادان حركة الإخوان المسلمين".

ويقول بعض الموريتانيين، وفق محمد عال محمد محمود المعروف، إن هناك هدايا وهبات مالية كبيرة للنظام الموريتاني وبعض المشاريع ممولة من هذه الدول الخليجية المراد منه الضغط على كل من له علاقة بالإخوان.

وكتب ناشط يدعى سعد الحامدي على حسابه الشخصي في تويتر قائلاً: "ابحثوا عن يد الإمارات في كل كارثة تحل بأمتنا، ابحثوا عن ابن زايد في كل مأساة تحصل في أي بقعة على وجه الأرض، لا يوجد شؤمًا أعظم من ابن زايد ومن معه، اللهم أهلكهم وأزلهم من الوجود وعذبهم ببعضهم واجعل هلاكهم على أيديهم".

وفي خصوص اتهام هذه الجهات بالوقوف وراء غلق المركز، قال إبراهيم ولد أعمر الكلي: "نحن لا نرجو ذلك، لا نريد أن يكون بلدنا جزءًا من استقطابات حادة في العالم العربي والإسلامي ولا نريد أن تكون سيادة بلدنا لعبة بأيدي هؤلاء يعرضونه للمخاطر والمشاكل".

ويتهم الموريتانيون القائمين على الحكم في الإمارات والسعودية بالسعي إلى ضرب الإسلاميين في كل مكان من الخليج العربي إلى المحيط، رغبة منهم في إبعاد كل من ينافسهم الحكم في المنطقة العربية عن طريقهم، ذلك أن الحكم لهم وحدهم ولا يحق لغيرهم الوصول إليه حتى إن اختارهم الشعب عن طريق الصناديق.