دخلت العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران حيز التنفيذ رسميًا اليوم الإثنين، التي تستهدف العديد من القطاعات المهمة التي تشكل العصب الأساسي للاقتصاد الإيراني، تنفيذًا لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مايو/أيار الماضي، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الذي أبرم في يوليو/تموز 2015، ودخل حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2016.

قائمة العقوبات من المفترض أن تضم أكثر من 700 شخص وشركة من كبار المؤثرين في الخريطة الاقتصادية الإيرانية، من بينهم ما يقرب من 300 اسم غير مدرجين في قوائم العقوبات السابقة، حسبما ذكر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" التليفزيونية، مساء أمس الأحد.

رغم أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها إيران لعقوبات أمريكية فإنها هذه المرة تعد الأقسى، كونها تمس عصب الاقتصاد وركيزته الأساسية وهي الصناعة النفطية وصادراتها وتعاملات شركات الخام الأجنبية (منتجين ومستوردين)، وهو ما أثار قلق الشارع الإيراني منذ إعلان الحزمة الجديدة.

يذكر أن الحزمة الأولى من العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران في الـ7 من أغسطس/آب الماضي تضمنت منعها من شراء النقد الأجنبي من الخارج، فضلًا عن عدد من القيود على تجارة المركبات والطائرات، وأخرى على واردات سلع غذائية وتقييد صادرات السجاد، وقد استطاع الإيرانيون التعامل معها من خلال فتح أسواق جديدة لهم مع بعض الكيانات الاقتصادية الأسيوية.

إلا أن أهم ما يميز الحزمة الجديدة من العقوبات أنها تحمل إعفاءات لـ8 دول من حظر شراء النفط الإيراني، ما يمنح طهران فرصة لتنفس الصعداء عبر الإبقاء على منافذ للتصدير، ليبقى السؤال: ما هذه الدول؟ ولماذا هي على وجه الخصوص؟ وهل تجهض هذه الاستثناءات تلك العقوبات، لا سيما بعدما اتبعت طهران بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة العديد من الخطوات لتصريف إنتاجها بعيدًا عن الإجراءات الأمريكية، وحماية أسواقها الداخلية من الأضرار المحتملة؟

استثناءات لـ8 دول

وافقت الحكومة الأمريكية على السماح لـ8 دول بالاستمرار في شراء النفط الإيراني بعد دخول الحزمة الثانية من العقوبات حيز التنفيذ، حسبما نقلت وكالة "بلومبيرج" عن مسؤول أمريكي كبير الجمعة الماضية، مشيرة أن كوريا الجنوبية - الحليف المقرب من الولايات المتحدة - واليابان، وكذلك الهند التي تعتمد كثيرًا على الإمدادات الإيرانية، على رأس تلك القائمة بصورة مؤكدة.

أما فيما يتعلق بالدول الـ5 الأخرى فلم يتم الإفصاح عنها بصورة مباشرة، ومن المتوقع أن تعلن رسميًا اليوم الإثنين، وإن كانت تشير التقديرات إلى بعضها لا سيما التي تعتمد بصورة كبيرة على النفط الإيراني في تيسير منظومتها الاقتصادية، على رأسها الصين وتركيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا كونها الأسواق الأكثر استيرادًا للنفط الخام من طهران.

وعن إعفاء 8 دول من قرار الحظر رغم ما تسعى إليه واشنطن من تضييق الخناق على إيران، قال أوليفر جاكوب من بتروماتريكس للاستشارات "8 أكثر بكثير مما توقع أي شخص، على الرغم من الحديث القاسي فإن منح الكثير من الاستثناءات على هذا النحو يعطي لإيران طوق نجاة".

وتعد الصين أكثر المرشحين للانضمام لتلك القائمة، حيث  نقلت الوكالة عن 4 مصادر مطلعة قولهم إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد التوصل إلى اتفاق مع نظيره الصيني شي جين بينغ خلال قمة مجموعة الـ20 في الأرجنتين التي ستُعقد في وقت لاحق من الشهر الحاليّ.

قرار إدارة ترامب إعفاء بعض الدول من حظر استيراد النفط الإيراني ليس الأول من نوعه، فقد سبقته إدارة الرئيس السابق بارك أوباما حين أصدرت مثل هذه الاستثناءات لـ20 دولة على مدار 3 سنوات

الوكالة تكشف طلب ترامب من مسؤولين أمريكيين البدء في إعداد بنود محتملة للاتفاق، مضيفة أن الاتجاه إلى التوصل لاتفاق محتمل مع الصين عززته مكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ الخميس الماضي، فيما قال كلايتون آلن من "هايت سيكيوريتيز": "نعتقد أن ترامب سيوافق على استيراد الصين بعض الكميات، على نحو يماثل المعاملة التي تتلقاها الهند وكوريا الجنوبية".

وفي الإطار ذاته ألمح وزير الطاقة التركي فاتح دونماز إلى احتمالية تضمين بلاده لقائمة المستثنين، قائلًا خلال مؤتمر للصحفيين في أنقرة الجمعة الماضية: "تلقينا معلومات بأن تركيا ستحصل على إعفاء أمريكي من العقوبات على إيران"، مشيرًا أن أنقرة التي تعد وجهة رئيسية للنفط الإيراني ربما تكون من بين الدول التي تحصل على إعفاء.

جدير بالذكر أن إيران كانت أكبر مصدر للوقود لتركيا في العام الماضي، وهو ما يمثل أكثر من ربع الواردات اليومية لتركيا البالغة نحو 830 ألف برميل وفقًا لبيانات رسمية، وهو ما يبرر حرص الحكومة التركية على أن تكون ضمن الدول المعفاة من قرار الحظر نظرًا لما يمثله من خطورة على اقتصادها الداخلي.

وفي المقابل يرى محللون أن أي استثناءات محتملة من العقوبات النفطية الإيرانية ستكون مؤقتة على الأرجح لحين تحقيق التوازن العام في السوق العالمي، وحينها سيتم التراجع عن هذا القرار، وهو ما أكده كلايتون آلن بقوله: "قد تستخدم الولايات المتحدة الاستثناءات للمضي في التنفيذ بتؤدة، لكن تلك الاستثناءات لن تطبق إلى ما لا نهاية".

جدير بالذكر أن قرار إدارة ترامب إعفاء بعض الدول من حظر استيراد النفط الإيراني ليس الأول من نوعه، فقد سبقته إدارة الرئيس السابق بارك أوباما حين أصدرت مثل هذه الاستثناءات لـ20 دولة على مدار 3 سنوات.

 

لماذا؟

لم يكن اختيار الدول الـ8 المعفاة من قرار حظر النفط الإيراني عشوائيًا، بل خضع لبعض الضوابط والمعايير التي حرصت واشنطن عليها لمنح هذه الدول دون غيرها حق الاستثناء من تلك العقوبات، فكان حلفاء أمريكا في آسيا أصحاب النصيب الأكبر من تلك المرونة، وهو ما يفسر اختيار اليابان والهند وكوريا الجنوبية.

تقرير"بلومبيرغ" كشف أن قرار إعفاء بعض الدول جاء نتيجة الضغوط الممارسة من الحكومات القريبة من الإدارة الأمريكية التي تعتمد في اقتصادها على النفط الإيراني، وهو ما دفع ترامب إلى الرضوخ لتلك الضغوط حفاظًا على مصالح بلاده في آسيا على وجه الخصوص التي تتعلق بشكل كبير بمنسوب علاقاته بتلك الدول.

أما فيما يتعلق بالدول الأخرى، فذكر وزير الخارجية الأمريكي بأن اختيارها جاء نتيجة ما أبدته من تجاوب كبير وما بذلته من جهود ملموسة في اتجاه وقف وارداتها النفطية من إيران قدر الإمكان، هذا بالإضافة إلى تعاونها مع واشنطن في عدد من الملفات الأخرى، في إشارة إلى تركيا وفرنسا ومؤخرًا تركيًا.

نجحت واشنطن من خلال  العقوبات المفروضة على إيران في خفض صادراتها النفطية من 2.7 مليون إلى 1.6 مليون برميل يوميًا

قرار الإعفاء في حد ذاته كان مثار تساؤل لدى الكثير من المراقبين، فإن كانت واشنطن تهدف خنق الاقتصاد الإيراني فلما تفتح له نوافذ تصديرية ربما تجهض العقوبات المفروضة من مضمونها؟ وهو ما عزاه محللون إلى رغبة أمريكية في تحقيق التوازن لدى سوق النفط، وتجنب حدوث أي هزة عنيفة نتيجة وقف الإمدادات الإيرانية ما قد ينجم عنه ارتفاع جنوني في أسعار الوقود، وهو ما تخشاه واشنطن في هذه المرحلة.

وبعد ساعات قليلة من إعلان تلك الاستثناءات التي يراها البعض تخفيفًا للعقوبات المفروضة على صادرات إيران النفطية، تراجعت أسعار النفط اليوم الإثنين ليسجل عقد أقرب استحقاق لخام برنت 72.47 دولار للبرميل بحلول الساعة 0614 بتوقيت جرينتش بانخفاض 36 سنتًا أو 0.5% عن آخر سعر إغلاق.

وزير الخارجية الأمريكي تعليقًا على تلك الإعفاءات اعترف أن ما تقدمه بلاده مما أسماه "تنازلات" يأتي في المقام الأول للحفاظ على علاقات أمريكا بحلفائها في آسيا والشرق الأوسط الذي يمثل لها الخام الإيراني عصب صناعة الطاقة الخاصة بهم، مؤكدًا: "نتوقع أن تذهب مشتريات النفط الخام الإيراني إلى الصفر من كل دولة وإلا ستفرض عقوبات جديدة".

الوصول بمشتريات النفط الإيراني إلى الصفر هدف واشنطن من وراء العقوبات المفروضة

ماذا عن طهران؟

من الواضح أن إيران باتت مهيأة إلى حد ما للتعامل مع العقوبات الأمريكية الجديدة جراء سياستها الجديدة التي اتبعتها منذ الحزمة الأولى من العقوبات في أغسطس/آب الماضي، حيث نجحت في فتح أسواق جديدة لتصريف إنتاجها بعيدًا عن الإجراءات الأمريكية التي أغلقت معظم النوافذ التصديرية أمامها.

الإعفاءات الأمريكية بحق السماح لبعض الدول باستيراد النفط الإيراني جاءت بمثابة المتنفس للإيرانيين، وأعطتهم قدرًا من الثقة كونهم رقمًا صعبًا في سوق النفط العالمي لا يمكن تجاوزه، وهو ما أشار إليه علي كاردور نائب وزير النفط الإيراني بقوله: "الإعفاءات التي منحت لتلك الدول تظهر أن السوق بحاجة للنفط الإيراني وأنه لا يمكن سحبه من السوق، لا أعرف ما إذا كانت تلك الإعفاءات دائمة أم مؤقتة".

لكن وفي المقابل فقد نجحت واشنطن من خلال  العقوبات المفروضة على إيران في خفض صادراتها النفطية من 2.7 مليون إلى 1.6 مليون برميل يوميًا، وفقًا لتقديرات الولايات المتحدة الداخلية، وهو ما يمثل تفوقًا رمزيًا لإدارة ترامب مقارنة بإدارة باراك أوباما التي استغرقت 3 سنوات لإزالة 1.2 مليون برميل نفط إيراني من السوق.

بعض المصادر تلمح إلى أن الدول التي ستحصل على إعفاءات يجب عليها دفع ثمن النفط في حسابات الضمان بعملة إيران المحلية، ما يعني أن الأموال لن تذهب إلى طهران بالعملة الصعبة، وهو ما تعتبره المصادر وسيلة مهمة للحد من الإيرادات الإيرانية وزيادة تقييد اقتصادها الذي لن يقوى سوى على توفير موارد الطعام والشراب فحسب.