بعد مخاض عسير أعلنت أخيرًا حكومة عادل عبد المهدي، وهي الحكومة السادسة ضمن سلسلة الحكومات التي شكّلت في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، حكومة المهدي ربما نظر لها الكثير من المتابعين غير الدقيقين للشأن العراقي على أنها مختلفة عن سابقاتها وذلك لتغيير بعض الظروف الموضوعية والسياسية المحيطة بالمشهد السياسي العراقي، وكذلك لأن بعض الأطراف الساعية للظفر بمنصب رئيس الوزراء، رفعت - بمرحلة ما قبل تسمية رئيس الحكومة - بعض الشعارات المنمّقة، ومنها أن الحكومة المقبلة لكل العراقيين، وستكون حكومة مستقلة وبعيدة عن المحاصصة والطائفية.

وهذه الحالة المثالية هي ما كنا نأمله ونتمناه لعراقنا على الرغم من القناعة الكاملة بأن ما سيكون لا يختلف عن الحكومات السابقة، لكن ربما هنالك من يتهم المتابعين الدقيقين بأنّهم لا يميلون إلى زرع الأمل، وهذا الكلام يتناقض مع المنطق لأن هناك فرقًا كبيرًا بين الأمل وعدم قراءة الواقع بموضوعية!

الأمل بغد جديد يفترض أن يُبنى على واقع صلب وعلمي، أمل قائم على عوامل داعمة، أما مجرد الحديث بأمنيات لا تستند إلى الحقيقة بشيء عملي وعلمي ومنطقي فهذا نوع من العبث الفكري، لا يليق بالإنسان العاقل!

مناحرات القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية، وجعلهم للمهدي الميدان الحقيقي لإظهار مناحراتهم، ومن ذلك أن المهدي مُنِح مهلة ستة أشهر فقط لتطبيق برنامجه الحكومي

إن منْ يقرأ برنامج حكومة المهدي يتأكد تمامًا أن تطبيقه في ظل الوضع القائم في العراق صعب جدًا، وهناك فرق كبير بين وضع البرامج على الورق وتنفيذها على أرض الواقع، وعليه أظن أن العراقيين سيكونون وسط دوامة جديدة من الوعود غير المثمرة.

الحكومة الجديدة ستواجه العديد من التحديات، ومن أبرزها:

- ضغوط القوى التي أوصلت المهدي للرئاسة، وهم بحسب ما أكد نائب رئيس الجمهورية السابق ورئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي، في لقاء مع موقع ذي ناشنال الإخباري قبل أسبوع: "عملية تشكّيل الحكومة القادمة تسيطر عليها كتلتان شيعيتان فقط، ولا توجد هناك مفاوضات حكومية بل توجد كتلتان تهيمنان على التشكيلة السياسية للبلاد وهما سائرون والفتح! فهل سيتحكم هؤلاء بالمهدي بحسب مصالحهم الحزبية؟".

- مناحرات القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية، وجعلهم للمهدي الميدان الحقيقي لإظهار مناحراتهم، ومن ذلك أن المهدي مُنِح مهلة ستة أشهر فقط لتطبيق برنامجه الحكومي، وهي المهلة التي اشترطها ائتلاف دولة القانون في الساعات الأخيرة من الـ29 من أكتوبر/تشرين الأول 2018، وهي مدة غير كافية ولا تتوافق مع حجم برنامج المهدي، لكنها جزء من المناحرات بين المالكي والصدر!

وفي هذا الملف الساخن كشف القيادي في ائتلاف المالكي، محمد الصهيود أن "التصعيد سيكون سيد الموقف إذا ظلت حكومة عبد المهدي تابعة لجهة سياسية"، في إشارة إلى كتلة الصدر التي تصر على تغيير مرشحي الحقائب الثمانية وهي الدفاع والداخلية والتخطيط والتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والعدل والثقافة والهجرة.

حكومة المهدي لن تسير على أرضية مليئة بالزهور والورود، بل ستمشي داخل ميدان الخلافات بين الكتل المتناحرة ضمن اللعبة السياسية

- تحدّي المليشيات التي أصبحت اليوم جزءً من المنظومة العامة في الدولة العراقية بعد أن دخلت في العملية السياسية، وباتت تتحكم في المشهدين السياسي والأمني في البلاد، فكيف يمكن للمهدي أن يقضي على شركائه في العملية السياسية عبر عمليات تشذيب لقواهم المسلحة، وتغييبها من المشهد الأمني العراقي؟

أظن هذه المعادلة غير المتوازنة لا يمتلك المهدي أيّ قدرات حقيقية فعلية لتنفيذها وبالتالي هذه - ربما - ستكون واحدة من كبريات التحديات التي لا يمكن لرئيس الوزراء الجديد أن يقمعها في المشهد الأمني الوطني.

- إعادة بناء وترتيب المناطق المدمرة نتيجة المعارك الضارية بين الحكومة والتحالف الدولي من جهة وتنظيم داعش من جهة أخرى، ونحن نتحدث هنا عن مناطق محيّت بالكامل وأحياء دمرت بدرجات ربما وصلت إلى 80% في مدن الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى وبعض مناطق حزام بغداد، فهل رصدت الحكومة الموازنات الكافية لإعادة أو لإنعاش هذه المدن التي تعاني حتى اللحظة من الإهمال الواضح والعجز عن تقديم الخدمات الإنسانية الضرورية لهم مع وجود أكثر من مليون مواطن حتى اليوم في معسكرات اللجوء؟

- الفساد المالي الذي ينخر جسد الدولة العراقية وسبق للمهدي - حينما كان وزيرًا للنفط - أن أكد بأنه ومنذ العام 2003 وحتى نهاية العام 2014 فقد العراق 450 مليار دولار نتيجة الفساد المالي، فكيف يمكن لرئيس الحكومة أن يعيد هذه الأموال لميزانية الدولة، قبل أن يسعى لردم أو لتجفيف منابع الفساد في الدولة العراقية، وهل سيتمكن من إنهاء هذا الملف الكبير والمتهمون فيه هم من شركائه داخل الحكومة والبرلمان؟

القضية ليست بهذه السهولة التي يتصورها البعض وإنما هي قضية تناحر على المصالح الحزبية والشخصية والعائلية، فهل يمتلك المهدي القدرة الكافية لإنهاء هذه الملفات الكبيرة والمتداخلة والخطيرة؟

حكومة المهدي لن تسير على أرضية مليئة بالزهور والورود، بل ستمشي داخل ميدان الخلافات بين الكتل المتناحرة ضمن اللعبة السياسية، وسيبقى المهدي مطيعًا، بل ومنفذًا لأوامر القوى التي اتفق معها على المحاصصة الطائفية تحت شعار الاستقلال والتكنوقراط!

 خيبة العراقيين بحكومة المهدي لا تقل عن يأسهم من مجمل العملية السياسية التي أثبتت بالتجارب الكبيرة أنها عملية أقل ما يقال عنها إنها شركة مساهمة مملوكة للأحزاب الكبرى في العراق، ولا حصة للعراق والعراقيين فيها!