أحداث بغيضة تطل برأسها من جديد على المشهد الدعوي والسياسي في الجزائر، وتعيد للأفاق صراعات التسعينيات الدامية التي تسمى بالعشرية السوداء، بعدما كشفت العديد من وسائل الإعلام المحلية والعالمية الأسبوع الماضي، آخر عمليات التعذيب الممنهجة التي تتم بحق الداعاة، وهذه المرة كانت من نصيب مؤذن مسجد خالد بن الوليد في ولاية الأغواط، في تكرار مثير للارتباك، اعتبره البعض مؤشرًا على عودة الصراع من جديد بين المؤسسة الدينية الرسمية والتيارات السلفية في الجزائر. 

كانت صحيفة الشروق الجزائرية المحلية، قد أثارت بعض الأسئلة المُلغمة عن سر عدم تحرك الدول لحماية موظفيها، بما قد يدفع الأئمة للانفجار غضبًا، للمطالبة بمناخ آمن، واستطاعت الجريدة ذائعة الصيت، استنطاق عضو لجنة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية الشيخ محمد الأمين ناصري، الذي كشف العديد من الانتهاكات بحق الأئمة في العديد من ولايات الجزائر، وطالب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التدخل العاجل لحمايتهم من الاعتداءات، وما أسماه التربص بهم من الجماعات المتطرفة والمتشددة التي زادت في الآونة الأخيرة.

وعود ضائعة بالأمان والحصانة 

منذ سنوات والأئمة يدعون إلى ضرورة تفعيل حق الحصانة التي وعد بها مسؤولو الدولة، خصوصًا بعد تزايد عمليات القنص بحقهم، والحصانة في الجزائر تمنح الحماية للقضاة والقطاعات السيادية والمهمة بجانب تلك التي تحاصر بالأخطار من الجماعات المتشددة، ورغم الوعود التي كانت تقدم لهم، فإن صراعات تسييس النقابات وفاتورة المساندة على بياض للنظام الحاكم التي يجب دفعها أولاً ودون انتظار المقابل، كانت تعطل كل شيء، وتتركهم حتى تبرد دماء المغدور من الأئمة، ثم سرعان ما تعود العواصف من جديد، بتزايد حمى المطالبات بالحصانة إثر تجدد حوادث القتل. 

شيء يمكن أن يفهم في سياقات متعددة، من خلال التصريح المريب الذي أدلى به محمد عيسي وزير الشؤون الدينية والأوقاف، في الشهر الماضي، الذي شن فيه هجومًا شرسًا خلال لقاء إذاعي له، على الأئمة السلفيين، واتهمهم باحتكار منابر المساجد على حساب أئمة الوزارة، واعتبر الوزير أن هذه الصراعات المشتعلة السبب في وفاة إمامين بالبلاد.

البحث في تصريحات الوزير، يؤكد وجود ملف كامل بحوزته، يسجل بوضوح تزايد عمليات الاعتداءات الممنهجة على الأئمة منذ عامين، كما يكشف  الصياغة التي يرغب فيها لإدارة المشهد الديني بالبلاد

لم يتحدث الوزير عن تحقيقات النيابة، ومن توجه لهم تهمة قتل الأئمة، ولماذا لم تهتم بها الأجهزة المعنية، وخلفيات استهداف الأئمة تحديدًا، ولماذا في مثل هذا التوقيت بكل شفافية، ولكنه اكتفى بالاقتراح على الحكومة، تجميد تجديد الجمعيات الدينية التي تدير المساجد، وهو ما تم بالفعل بعد أيام قليلة من حديث الوزير، وبجانب ذلك، يجري الآن مراجعة قانون الجمعيات وتنقيحه، للتصدي لما أسماه عيسى، محاولات التيارات الدينية والعناصر التخريبية، الاستيلاء على إدارة المساجد من خلال الجمعيات الدينية. 

البحث في تصريحات الوزير، يؤكد وجود ملف كامل بحوزته، يسجل بوضوح تزايد عمليات الاعتداءات الممنهجة على الأئمة منذ عامين، كما يكشف الصياغة التي يرغب فيها لإدارة المشهد الديني بالبلاد، بعدما شارك في شهر يوليو الماضي بحفل اختتام موسم المركز الثقافي الإسلامي بالجزائر، وأكد تسجيل وزارته نقلاً عن الأجهزة الأمنية، لأكثر من 93 اعتداءً ضد أئمة المساجد، منذ عام 2016، والمثير أن معظم الاعتداءات وقعت خارج المساجد، ولا يعني هذا تبرئة المشار إليهم من الدولة من دماء الأئمة، ولكن الشيء بالشيء يذكر، في الشفافية والمساءلة واحترام القانون من الجميع . 

الجمعيات الدينية.. دولة داخل الدولة 

التخبط الحكومي الواضح ومحاولة استثمار الأزمات، بل والصمت عليها وربما التواطؤ حتى تتفاقم، سلوك لا يخص مسؤولي الجزائر وحدها، ولكنه "تيمة سياسية وأمنية" تتبعها دول المنطقة لتدجين التيارات الدينية وإخضاعها للسلطة، وتسييس مواقفها حسب مصالح النظام الحاكم، وأكثر ما يعبر عن ذلك، أن الوزير محمد عيسى الذي طالب بتجميد الجمعيات وحصل على ذلك، هو نفسه الذي قلل في السابق، من خطورة الاعتداءات المرصودة على الأئمة، ووصفها بغير المقلقة، 93 قتيلاً بالنسبة للمسؤول الحكومي الأول عن المؤسسة الدينية، ليس بالخطورة والحدة التي يروج لها، بالنسبة لصغر حجم المغدورين في خريطة تشمل 17 ألف مسجد، يسيطر عليهم الأئمة التابعين للدولة في طول البلاد وعرضها. 

في المنطقة الخلفية من مواءمات الدولة مع الإسلاميين، تحاول المؤسسات الدينية الرسمية فرض منطقها، برفض أي طرف خارجي مشاركتها السلطة والنفوذ الديني، لذا تضع نصب أعينها دائمًا الكيانات الموازية لها؛ حدث ذلك في مصر وتونس، وتعيش الجزائر نفس السيناريو أيضًا، الذي يرفض فيه الأئمة أي وجود للجمعيات الدينية، خاصة التي تتبع منها التيار السلفي المتشدد الذي يخطط للعودة للسيطرة على مساجد الجزائر والتحكم في منابرها، كما كان الحال في تسعينيات القرن الماضي، بحسب تصريحات العديد من الأئمة الرسميين في الجزائر. 

وتسعى المؤسسة الدينية الجزائرة بقوة، وانطلاقًا من الحالة المصرية تحديدًا، التي منعت بشكل صارم وجود أي إمام أو داعية على المنبر، لا ينتمي للخلفية الأزهرية، كما ألزمت الدعاة بخطبة موحدة، بزعم منع الخطباء من التدخل في السياسة، وهو ما تسعى له الجزائر لإعادة رسم حدود الصلاحيات ووضعها كاملة في يد الإمام التابع للمؤسسة الدينية الذي يعتبر المسؤول الأول والأخير أمامها عن المسجد. 

https://www.youtube.com/watch?v=UBpP4qUd2CU

اعتداء إمام مسجد عمر بن الخطاب بالشلف بالضرب على أحد المصلين داخل المسجد

وسائل الإعلام الرسمية، استخدمت أسلحتها في الترويج للقرار، وأعادت بشكل متكرر مشاهد العنف من التيار السلفي المسيطر على الكثير من المساجد، ومنها فيديو انتشر بشكل ملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي، يتعرض فيه مواطن للضرب من بعض المنسوبين للتيار السلفي، بسبب اعتراضه على تنصيب لجنة دينية بمسجد عمر بن الخطاب في بلدية تاجنة التابعة لمحافظة الشلف غرب البلاد. 

الفيديو الذي أدين بكثافة بين المغردين الجزائريين، تحركت بشأنه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ووجهت مجموعة من الضربات المتلاحقة للتيار السلفي، واتهمته بإثارة النزاعات وتشويه صورة الإمام لدى المواطنين، وإقحامه في قضايا اجتماعية وسياسية لا تخصه، بما يسبب لهم أزمات وصراعات ومخاطر لم يتسببوا فيها بالأساس، واعتبرت الوزارة أن المرجعية الدينية الوطنية، غير محصنة من الداخل بسبب ضعف تكوين الإطارات الدينية وتخلف الخطاب الذي هيمنت عليه ثقافة الكراهية، التعصب الغلو التكفير العنف والخرافة، بحسب وصفها.  

يبدو لافتًا أن هناك تنسيقًا على أعلى مستوى بين المؤسسات الرسمية، للاشتراك في هجوم مشترك ومركز على التيارات الدينية، وكان ذلك واضحًا من الهجوم الشرس الذي شنته نقابة الأئمة الجزائريين على التيارت السلفية، وبررت للوزير قراره بتجميد الجمعيات الدينية، بعد انتقاده من بعض المؤسسات المعنية بالحريات، واعتبرت النقابة أن التجاوزات السلفية وحدها هي ما اضطر الوزير لاتخاذه قراره. 

لم تقف المواجهات مع الحكومة على الإخوان وحدهم، بل دخل الشيخ فركوس، العالم السلفي الشهير على خط الصراع

الاطلاع بعمق على المشهد الديني في الجزائر، يكشف محاولات لترتيب وضع الإمام التابع للدولة، واستخدام ظروف المنطقة لتحصين قرار الوزير عيسي بحل الجميعات والسيطرة على المشهد الديني بأكمله، في خطوات يبدو أنها ستثير الأزمات في مجتمع محافظ كالمجتمع الجزائري الذي يسيطر فيه السلفية على المشهد الديني العام، وهو ما دعا نواب حزب حركة مجتمع السلم، ذراع جماعة الإخوان في الجزائر، إلى مناطحة الوزير سياسيًا، وطالبته بكشف مختلف الاختلالات التي تشهدها المساجد بشكل موثق ودقيق، بدلاً من اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات الانتقامية. 

لم تقف المواجهات مع الحكومة على الإخوان وحدهم، بل دخل الشيخ فركوس، العالم السلفي الشهير على خط الصراع، وكتب مقالاً بعنوان "تسليط الأضواء على أن مذهب أهلِ السنة لا ينتسب إليه أهل الأهواء" وأشار فيه إلى أن السلفية نفسها تحارب الفكر الدخيل الذي ينتسب لها، وأوضح أنها تعمل بشكل دائم على إنقاذ من ابتلى بداء الغلو والتطرف، لإعادته إلى معالم الوسطية والاعتدال، بما يعني أن السلفية ليست خطرًا على الجزائر ولا على أحدٍ من الناس، كما تزعم الحكومة. 

سلفية الجزائر برأي فركوس تدعو للعلم والأمن والأمان والرحمة، وترفع شعارها من قول الرسول "إنَّما أنَا رحمةٌ مُهدَاة"، ورغم محاربة التيارات الدينية من المؤسسة الدينية الرسمية بالبلاد، فإن فركوس حول مسار الصراع لمكان آخر، وأعاد السهم المسموم إلى صدور من أسماهم "العلمانيين والخارجين عن ملة الإسلام"، ليفتح الرجل بؤرة صراع في منطقة أخرى، قد تساهم على المدى القريب في تخفيف القبضة الحكومية والإعلامية على السلفية، ولكنها ستفتح صراعًا جديدًا بين السلفية والتيارات المدنية في البلاد التي ستتخذ موقف مضاد بالطبع لكل ما هو ديني.