"الرئيس منزعج من عملية اغتيال خاشقجي، ويقول إن السعوديين خانوا ثقته وجعلوه يظهر بمظهر سيء في الوقت الذي فعل فيه الكثير من أجل السعوديين، وإنه يلومهم لأنهم كانوا لديهم مخطط أصلي لكن تم تنفيذه بطريقة رديئة".

هذا ما نقلته شبكة "سي إن إن" الأمريكية عن مصادر مقربة من ترامب الذي نصَّب نفسه حليفًا ومدافعًا رئيسيًا عن السعودية منذ اليوم الأول للواقعة، لكن يبدو أن هناك ضغوطًا متزايدة من المشرعين في الكونغرس والإعلام لاتخاذ موقف صارم إزاء المسؤولين السعوديين الضالعين في قضية خاشقجي.

وفي هذا السياق يأتي التصعيد من الإدارة الأمريكية على مستوى المواقف والإجراءات بعد حصولها على معلومات وتفاصيل بشأن القضية، وكذلك بعد استياء الرئيس ترامب المتزايد من خداع السعوديين له، على خلفية تداعيات قضية مقتل خاشقجي، وفقًا لوسائل إعلام أمريكية.  

تتبدل تصريحات ترامب وتبقى المصالح ثابتة 

بدت مواقف ترامب مثل بالونات اختبار يسحبها بعد أن يختبر ردة الفعل السلبية تجاهها، فقبل هذه التصريحات كان الرئيس ترامب قد اعتبر عملية قتل خاشقجي "حمقاء وغبية"، وقال إنها نتيجة مؤامرة فاشلة، وإنه سيكون مستاءً للغاية إذا تأكد ضلوع الملك سلمان ونجله الأمير محمد بن سلمان فيها، وإن "التستر على العملية كان أسوأ تستر على الإطلاق في تاريخ هذا النوع من العمليات".

تمخضت العقوبات الأمريكية فولدت قرارًا بدا "هزيلًا" جاء عبر إعلان خطط لمعاقبة 21 مسؤولًا سعوديًا بإبطال تأشيراتهم أو جعلهم غير مؤهلين لدخول البلاد

يفسر قوله المتصاعد في حدة الخطاب تجاه المملكة ما بدا أنه تقارب من موقف الكونغرس الذي يتخذ أعضاؤه مواقف متشددة في القضية، حين قرر إحالة الأمر إلى الكونغرس لاتخاذ قرار بشأن التبعات التي يتعين على الرياض أن تتحملها بسبب مقتل خاشقجي، بشرط أن يتشاور معه في ذلك، مضيفًا أنه يود الحصول على توصية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن ترامب لم ينس كعادته تكرار جملته الشهيرة التي قالها في أكثر من مناسبة "نحمي دولًا غنية كالسعودية وعليها أن تدفع الثمن"، ورغم تأكيده أهمية الاستثمارات السعودية ومعارضته وقف صفقات السلاح مع الرياض، فإنه شدد على وجود خيارات أخرى لمعاقبة المسؤولين عن قتل خاشقجي، وإمكانية فرض عقوبات على السعودية.

حديث ترامب بهذه اللهجة يطرح تساؤلات بشأن ثقته في ولي العهد السعودي.

تمخضت هذه العقوبات فولدت قرارًا بدا "هزيلًا" جاء عبر إعلان خطط لمعاقبة 21 مسؤولًا سعوديًا بإبطال تأشيراتهم أو جعلهم غير مؤهلين لدخول البلاد، وذلك ضمن عقوبات أخرى سيؤخذ القرار بشأنها بالتنسيق مع الكونغرس ووزارة الخزانة الأمريكية، لم تحدد وزارة الخارجية أسماء الذين سيتأثرون بالإجراءات العقابية،  لكن وزيرها مايك بومبيو أكد أن العقوبات لن تكون كلمة الولايات المتحدة الأخيرة في هذه القضية.

وفيما يستمر ترامب في المماطلة، يكشف في حديث لصحيفة "USA Today" توقعاته بالحصول على معطيات جديدة من استخبارات بلاده بخصوص ملف خاشقجي خلال فترة قصيرة، فهناك عدد من الموهوبين - حسب تعبيره -  في تركيا والسعودية ينتظر عودتهم من واشنطن بمعلومات جديدة تُلقي بمزيد من الضوء على ما حدث لخاشقجي داخل قنصلية بلاده ومن أصدر الأوامر بالتخلص منه بتلك الطريقة البشعة.

وإن كان الرهان الأكبر في ذلك سيكون ربما على نتاج الزيارة اللافتة التي تقوم بها حاليًا مديرة وكالة المخابرات المركزية "سي آي إيه" جينا هاسبيل لأنقرة، التي أجرت خلالها مباحثات مع المسؤولين الأتراك بشأن مقتل خاشقجي، وطلبت - بحسب 4 مصادر مطلعة لوكالة رويترز - الاستماع لتسجيل صوتي يوثق تعذيبه ومقتله. 

هل تغيرت قواعد اللعبة فجأة؟

لم ينته التصعيد "الترامبي" المستجد، فبعد ساعات من حديثه في البيت الأبيض يعود الرجل مجددًا بتصريحات أبعد فيها الملك سلمان عن المشهد، وقال إنه لم يكن على علم مسبق بالعملية التي أدت إلى مقتل خاشقجي، وكانت كلمات دفاعه عن القيادة السعودية عبر صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.

ترامب: "يدير ابن سلمان  الأمور في المملكة بشكل أكبر في هذه المرحلة، وإن كان مِن متورط في مقتل خاشقجي فسيكون هو"

يخص ترامب بإشارات مباشرة ولي العهد السعودي، وردًا على سؤال عن احتمالات ضلوع ولي العهد السعودي في مقتل خاشقجي، قال ترامب إن ولي العهد يدير الأمور في المملكة بشكل أكبر في هذه المرحلة، وإن كان مِن متورط في مقتل خاشقجي فسيكون هو، مشيرًا إلى أن من فكر بهذا المخطط "هو الآن في ورطة كبيرة".  

وفي حديثة للصحيفة الأمريكية، يضيف ترامب أنه تحدث مع ولي العهد عدة مرات وطرح عليه أسئلة كثيرة بطرق مختلفة بشأن مقتل خاشقجي، كما جدد ترامب تأكيداته التي أطلقها خلال حملته الانتخابية عام 2016 أن السعودية تقف وراء هجمات 11 من سبتمبر/أيلول.

حديث ترامب بهذه اللهجة يطرح تساؤلات بشأن ثقته في ولي العهد السعودي، فعندما سئل ترامب هل يصدق المسؤولين السعوديين عندما ينكرون أي معرفة مسبقة بالعملية، سكت لثوان قبل أن يُجيب "أنا أريد أن أصدقهم.. أريد حقًا أن أصدقهم"، فلماذا لا يصدقهم ترامب وهو محاط بضغوط داخلية وخارجية؟

ربما ينتظر الرئيس الأمريكي الاجتماع المرتقب الذي سيعقده مع مسؤولين من المخابرات جمعوا معلومات من السعودية وتركيا بشان قضية خاشقجي قد يتحدد بموجبه الكثير فيما يتعلق بالقرار الذي سيتخذه ترامب في القضية، لا سيما أنه اعتبر أن التفسير الذي قدمه الرئيس التركي لم يكن مكتملًا، وأن ثمة حاجة للمزيد من الحقائق.  

قد تدفع الانتقادات الرئيس الأمريكي لزيادة الضغوط على القيادة السعودية

على الجانب الآخر، تتواصل في واشنطن انتقادات مشرعين أمريكيين لطريقة تعامل إدارة ترامب مع قضية خاشقجي، ومن آخرها تجديد السيناتور الأمريكي ديك ديربن مطالبته بطرد السفير السعودي لدى واشنطن الأمير خالد بن سلمان، واعتبر ديربن أن هذه الخطوة من شانها توجيه رسالة للسعوديين بأن هناك ثمنًا لما أسماها "الأفعال الوحشية التي تتعارض مع القيم الأمريكية".

قد تدفع الانتقادات  الرئيس الأمريكي لزيادة الضغوط على القيادة السعودية، لا سيما مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس

انتقادات على ما يبدو تدفع الرئيس الأمريكي لزيادة الضغوط على القيادة السعودية، لا سيما مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والمقررة في 6 من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، فقبل حديثه لصحيفة "USA Today" كان ترامب قد قال لصحفيين أمريكيين إنه غير راض عما سمعه من السعوديين بشان مقتل خاشقجي، مضيفًا أن مهلة الشهر التي حددها السعوديون لإنهاء تحقيقاتهم طويلة جدًا ويجب أن يتصرفوا بسرعة أكبر.

وفي منتدى تستضيفه صحيفة "واشنطن بوست الأمريكية" التي كان خاشقجي يكتب فيها مقالات رأي، قال نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إن مقتل الصحفي السعودي بطريقة "وحشية" اعتداء على الصحافة الحرة والمستقلة، وشدد على عزم الإدارة الأمريكية استخدام كل الوسائل المتاحة لها للوقوف على ما حدث لخاشقجي وما حدث لقادته ومحاسبة قتلته، موضحًا أن قرار فرض عقوبات على السعودية من عدمه أمر يعود إلى الرئيس ترامب.

هل يتخلى حماة ولي العهد عنه؟

اتسمت مواقف إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتقلب منذ بداية الأزمة تبعًا للمعطيات المتوافرة، وحجم الضغوط الممارسة عليها من الكونغرس ووسائل الإعلام التي استنفرت بكل تياراتها من اليمين واليسار للوصول إلى حقيقة اغتيال خاشقجي، ففي البداية حاول ترامب تجاهل موضوع خاشقجي، غير أنه اضطر بعد أسبوع من اختفائه إلى الإعراب عن "قلقه" على مصيره، لكن دون أن يُسقط حسابات معقدة بين مجموعة محمد بن سلمان ومجموعته، حيث أمهل الرئيس الأمريكي السعوديين أسبوعين فقط لتعديل الميزان المنحرف في ملف "الدفع مقابل الحماية".

يعكس الاضطراب في مواقف ترامب التناقض بين الآمال التي بناها على تحالفه مع نظام بن سلمان من جهة، وحجم الضغوط الداخلية التي يمارسها الكونغرس والإعلام

وبخصوص الاضطراب السابق في المواقف، اعتبرت دراسة "تقدير موقف" صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن ذلك يعكس التناقض بين الآمال التي بناها على تحالفه مع نظام بن سلمان من جهة، وحجم الضغوط الداخلية التي يمارسها الكونغرس والإعلام من جهة أخرى.

تلك الضغوط المتزايدة الممارسة في الكونغرس على ترامب لا تنفصل عن ضغوط وسائل الإعلام الأمريكية، بل إن هناك ضغوطًا من الصحافة الأمريكية نفسها، ففي مقال رأي قاسٍ في صحيفة "واشنطن بوست"، كتب الصحفي كولبرت كينج "قانون ماغنيتسكي على مقاس ولي العهد وسفاحيه"، ويؤكد الكاتب أن على الكونغرس أن يعرف من فعل ذلك، وماذا حدث في القنصلية، "وإذا ما تمت معاقبة ولي العهد" يقول الكاتب فليكن إذًا، لأن العصابة تستحق ما سيجري معها.

وما زالت هذه الرهانات تداعب مخيلة الصحافة العالمية، ففي مقال آخر قال الكاتب أليكس إيمونز في مقال بصحيفة "إنترسسبت" إن مقتل الصحفي السعودي قد يدفع بالكونغرس أخيرًا إلى اتخاذ قرار بإنهاء دعم الولايات المتحدة للحرب الوحشية التي تخوضها السعودية في اليمن، ففي حال أفضت انتخابات الكونغرس إلى سيطرة الديمقراطيين، فإن ذلك قد يؤدي إلى اتخاذ قرار قانوني بوقف الدعم الأمريكي للسعودية.

وسط هذه الضغوط، هل يمكن لحماة ولي العهد (ترامب والملك سلمان) أن يتخلوا عنه؟ يجيب الصحفي المخضرم بصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية جورج مالبرونو، الذي قال إن محمد بن سلمان يعيش - حتى قبل قضية خاشقجي- في جو من الريبة والخوف، لدرجة أنه كما يشاع يفضل قضاء فترات طويلة على يخته في البحر الأحمر، حيث يشعر بأمان أكثر من قصره في الرياض.

يبدو أن الخناق بدأ يشتد حول الرجل القوي الجديد في السعودية

ومنذ اندلاع قضية خاشقجي، تفاقم التوتر بين ولي العهد وبقية أفراد العائلة المالكة - وفقًا لمالبرونو - ولكن ماذا يمكنهم أن يفعلوا؟ فولي العهد يحجب عنهم الملك سلمان بل ويستأثر حتى بهاتفه الخلوي، وهو ما تأكد لملك إسبانيا خوان كارلوس حين اتصل بالعاهل السعودي، فرد عليه ولي عهده بطريقة تفتقد للباقة الدبلوماسية قائلًا "الملك مشغول".

يبدو أن الخناق بدأ يشتد حول الرجل القوي الجديد في السعودية ووريث عرشها المرتقب بعد أن أصبح هيكل السلطة الواسع الذي كانت تتمتع به المملكة سابقًا يقع حاليًّا على عاتق رجلين

ويخالف ما فعله ولي العهد الطريقة التقليدية في أن العائلة المالكة تحكم بتوافق الآراء وتوخّي الحذر، من خلال اختيارها للقادة على أساس الخبرة والأقدمية، إلا أنه تم نقض هذه الرؤية بشكل متزايد - وبحسب الباحث سايمون هندرسون في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى - منذ تولي الملك سلمان العرش وظهور ابنه الذي كما يبدو قلص بشكل كبير من دور العائلة الواسعة لآل سعود، مما أدى إلى تهميش الآلاف من الأمراء.

ومع وجوده وحيدًا، يبدو أن الخناق بدأ يشتد حول الرجل القوي الجديد في السعودية ووريث عرشها المرتقب، بعد أن أصبح هيكل السلطة الواسع الذي كانت تتمتع به المملكة سابقًا يقع حاليًّا على عاتق رجلين، أحدهما الملك سلمان البالغ من العمر 82 عامًا، والذي يعاني تدهورًا في حالته الصحية، مجرد ملك صوري، والآخر هو ولي العهد الشاب الذي يرى أن والده يحميه.