بدأت أفغانستان رسميًا عملية فرز أصوات الناخبين، في الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد، وتستمر في عملها حتى إعلان النتائج الأولية للانتخابات في 6 من نوفمبر المقبل، لمعرفة إلى أين تسير مؤشرات أصوات نحو 4 ملايين مواطن أفغاني، خرجوا من 32 إقليمًا على مدار اليومين الماضيين، وسط أعمال عنف وفوضى خطيرة، عقدت النية عليها حركة طالبان وتنظيم داعش من ناحية، والحكومة التي تتحالف مع الفساد بل وتعبد الطريق أمامه من ناحية أخرى، في انتخابات تعقد للمرة الأولى منذ عام 2010.

كان نحو 36 شخصًا، لقوا مصرعهم خلال الساعات الأولى منذ بدء التصويت، ليتصاعد عدد الضحايا، بعد ظهور تنظيم داعش في الصورة، بما أسفر عن سقوط نحو 330 شخصًا بين قتيل وجريح، من عناصر الأمن والشرطة والناخبين الأفغانيين، جراء تفجيرات نفذها عناصر التنظيم في ولايتي كابل وننجرهار، واستهدف كما هي عادته التجمعات الكبرى، وأماكن تمركز عناصر الأمن والشرطة والناخبين.

التفجيرات عطلت كثيرًا من سير العملية الانتخابية التي حذر التنظيم السكان من المشاركة فيها مرات عدة، بما أوجد مشكلات تقنية إضافية، وخلت بعض اللجان من القوائم الانتخابية، إضافة إلى تأخر فتح بعض مراكز الاقتراع ووجود نقص في البطاقات الانتخابية، وعدم تمكن نحو 148 مركز اقتراع من العمل بسبب التهديدات الأمنية التي تعطي رسائل واضحة للمواطنيين والسلطات لما يمكن فعله حال عقد الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل.

معوقات في صالح النظام الأفعاني

رغم كل الإشادات الدولية بعقد الانتخابات في مثل هذه الظروف الأمنية، والتهديدات بالقتل لكل من يخرج على فتاوى طالبان وداعش، كانت هناك انتهاكات أخرى وقفت خلفها اللجنة الانتخابية المستقلة التي أثبتت بالأخطاء التي ارتكبتها طوال الأيام الماضية، عدم قدرتها على إدارة انتخابات مقبولة وشفافة، وخاصة بعد نشرها أرقامًا مضلِّلة، مما دعا وسائل إعلام كبرى غربية، لإعلان فقد الثقة تمامًا في اللجنة الانتخابية الحكومية.

عبر عدد كبير من الأفغانيين على شبكات التواصل الاجتماعي عن شعورهم بالإحباط، بسبب التخبط والعشوائية التي ظهرت على أداء اللجان

أهم ما وُجه للجنة من اتهامات، جاء من وكالة الأنباء الفرنسية AFP التي شككت في إعلان اللجنة تسجيل نحو تسعة ملايين ناخب في الانتخابات الحاليّة، بينما أكدت أن عمليات التسجيل تمت بأوراق ثبوتية مزورة، بهدف التلاعب بالنتائج، رغم اعتراف الوكالة في الوقت نفسه أن مجرد المشاركة بعد كل هذه السنوات من التوقف والردة المجتمعية بسبب حصار التطرف المفروض على المجتمع الأفغاني، إنجاز كبير.  

ضمن الملاحظات الكثيرة التي أوردتها الوكالات الغربية، عدم إلمام العاملين في مراكز الاقتراع، بآلية استخدام الأجهزة البيومترية التي وزعت في الساعات الأخيرة فقط وقبل انعقاد العملية الانتخابية، في محاولة من الحكومة، لاسترضاء القادة والزعماء السياسيين الذين تحوم حول أغلبهم شبهات الفساد، والكثير منهم متورط بالفعل، وذلك من أجل احتساب الأصوات صحيحة، بطريقة لا يمكن اكتشاف التزوير فيها بسهولة، بما ساهم في تعطيل الناخبين الذين سجلوا قبل أشهرٍ أسماءَهم على اللوائح.

الأزمات الإدارية كانت حاضرة بقوة في الأوساط المجتمعية، وعبّر عدد كبير من المواطنيين على شبكات التواصل الاجتماعي عن شعورهم بالإحباط، بسبب التخبط والعشوائية التي ظهرت على أداء اللجان، الأمر الذي دعا بعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة في أفغانستان، إلى عرض مساعداتها للجنة المشرفة على الانتخابات، لاجتياز الموقف بنجاح وتحقيق الهدف الأساسي من العملية الانتخابية برمتها.  

رسائل تفاعل الأفغان مع الانتخابات

بخلاف الدعايا الدولية، وارتكان النظام الحاكم في أفغانستان إلى حجة الإرهاب والتطرف، ومحاولة تلميع صورته أمام الغرب للحصول على المزيد من المساعدات، يبدو واضحًا أن الشارع الأفغاني يريد استثمار الفرصة جيدًا، لتجديد شرايين الحياة السياسية المنسدة في البلاد، التي تتحكم فيها مجموعة من القيادات الطاعنة في السن، وإبدالهم بجيل آخر، لم يتشرب بعد أدوات الفساد السياسي والأخلاقي، فضلاً عن أنه أكثر تأهيلاً من سابقيه.

طوال الأيام الماضية، لم تتخذ أمريكا أي إجراء تجاه حشو الصناديق وعمليات الفساد الممنهج في البلاد، وبدا واضحًا أن إدارة ترامب، لا تضع في حسباتها هذه الترهات التي لن تعود عليها بمال إضافي لا يعرف ترامب لغة سواه

ويسيطر على أفغانستان، مجموعة من أمراء الحرب الفاسدين الذي يناورن مع الولايات المتحدة منذ سنوات لإبقاء الوضع كما هو عليه، عبر عقد مواءمات في الظلام مع طالبان، ومن خلال هذه التيمة تمكنوا خلال الـ17 عامًا الماضية ومنذ بداية الغزو الأمريكي، من تربح مكاسب خيالية، حتى أصبحت الخزينة الأمريكية التي خسرت أكثر من 900 بليون دولار، وقتل من جنودها أكثر من 2400، غير قادرة على دفع المزيد من الأموال في محاولات عدمية وفاشلة، لبتر التطرف من البلاد وإدماج الأفغان في السياسة وتنشيط المجتمع المدني، وفي النهاية حصلت على اللاشيء.

أكثر ما يثير الإحباط من الانتخابات الأفغانية، الطريقة الدعائية التي يتعامل بها دائمًا الرئيس الأفغاني أشرف غني الذي لا تتضمن فقرات خطابات أبعد من الأبيات الإنشائية، عن مواصفات الأفغاني الذي لا يقهر، وتضحياته من أجل ترسيخ الديمقراطية في البلاد، دون أن يتحدث عن الانتهاكات السياسية ومخاوف المواطنين وحتى المجالس التشريعية القائمة حاليًّا، من فوز لوبي المصالح والفساد، القابع على صدر البلاد منذ سنوات طويلة، بالعملية الانتخابية الجديدة، بما يعني أن الدماء التي أريقت في سبييل هذا الأمل ذهبت سدى. 

لم يهتم الرئيس بالمخاوف التي أدلت بها قوى سياسية كبيرة في البلاد، بداية من زعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار الذي خرج غاضبًا قبل اكتمال التصويت، واعتبر إجراءات سير الانتخابات مهزلة كبرى، ووسيلة للسخرية بآراء المواطنين، وأعلن رفضه نتائجها، بعدما تحققت تحليلاته للأوضاع السياسية قبل انعقاد الانتخابات، ودعوته لأنصاره لعدم الخروج من المنزل، بسبب عدم جدية السلطة في الإصلاح، ولعبها بالداخل والخارج في عملية كانت تقول جميع مؤشراتها بالنسبة له، إنها لن تسفر في النهاية عن أي جديد.

الثابت عند الرئيس الأمريكي حاليًّا، أن بلاده تخوض حربًا هي الأطول في تاريخها، مستمرة منذ نحو 18 عامًا، تكبدت فيها آلاف القتلى والجرحى، وميزانية مكلفة، تخطت الـ900 مليار دولار منذ عام 2001

ما قاله حكمتيار، كان حاضرًا على لسان رئيس مجلس الشيوخ الأفغاني عبد الهادي مسلم يار الذي أقر واعترف بعمليات التزوير الممنهجة لصالح بعض المرشحين، وقال بشكل صارم إن نتائج الانتخابات ستكون ملفقة وغير مقبولة للشعب الأفغاني ولساسة البلاد، وهو ما يؤكد غيبوبة الرئيس أو التعامي أو ربما التصالح مع حزب الفساد، الذي لا يقل خطورة عن التطرف الذي يحاصر المجتمع الأفغاني، بل ربما يكون أكثر شراسة.

لماذا تتعامى أمريكا عن انتهاكات الحكومة الأفغانية؟

طوال الأيام الماضية، لم تتخذ أمريكا أي إجراء تجاه حشو الصناديق وعمليات الفساد الممنهج في البلاد، وبدا واضحًا أن إدارة ترامب، لا تضع في حسباتها هذه الترهات التي لن تعود عليها بمال إضافي لا يعرف ترامب لغة سواه.

الثابت عند الرئيس الأمريكي حاليًّا، أن بلاده تخوض حربًا هي الأطول في تاريخها، مستمرة منذ نحو 18 عامًا، تكبدت فيها آلاف القتلى والجرحى، وميزانية مكلفة، تخطت الـ900 مليار دولار منذ عام 2001، وحتى الميزانية المقررة للعام القادم، لذا يرغب ترامب، في إجراء مصالحة في أفغانستان، يفهم منها أنه انتصار سياسي جديد له، يخرج به جيش بلاده وميزانيتها من المستنقع الذي تحياه في حرب عدمية.

ويسعى الرئيس الأمريكي الذي يطبق مبادئ النفعية بشكل غير مسبوق، ويريد التربح من كل موقف تتخذه بلاده في الخارج، إلى مهادنة طالبان بنظرية "العصا والجزرة" للخروج بقوات بلاده منتصرة دون خسائر تذكر، عبر إقرار مبدأ الحوار والقتال في نفس الوقت، وهي طريقة تتبع علنيًا للمرة الأولى بين الحركة والسلطات الأمريكية، بعدما كانت هناك عمليات جس نبض، تجري عبر أجهزة الاستخبارات، وهي الطريقة التي لم تكن تثق فيها طالبان، خوفًا من فخاخ المارد الأمريكي وأجهزته الأمنية التي قتلت من قيادات الحركة الكثير خلال الحرب الممتدة طوال السنوات الماضية.  

كان واضحًا أن ترامب يركز وجوده على المناطق السكانية المأهولة بالسكان، فيما تنازل عن طيب خاطر لطالبان عن الأرياف، بجانب ضرب مصادر تمويل الحركة ومنها زراعة الأفيون، وإحكام الحصار على مصادر تسليحها، بما دفع طالبان للقبول بالحوار والإذعان إلى طاولة التفاوض التي لا يعلم أحد إلى أين ستنتهي وما الثمن المناسب لترامب من البلاد، الذي سيراه تعويضًا مناسبًا يرضي غريزته المادية التي لا تهدأ، ويسجل لنفسه من خلاله، انتصار جديد في ميدان لا يحمل إلا اسمه في تاريخ السياسة الأمريكية.