رغم الجرائم التي تُرتكب على مدار الساعة بحق الفلسطينيين، وما يتعرضون له من حصار وقتل وتهجير وسرقة للحقوق والأملاك واعتداء على المقدسات والحُرمات، فإن الرئيس محمود عباس يواصل السير على نهجه السياسي القديم بالتعامل مع "إسرائيل" كأنها جارة وليست دولة احتلال اغتصبت أرضه وطردت شعبه.

تمسك الرئيس عباس بالتنسيق الأمني مع "إسرائيل" والتغني به في الكثير من المحافل السياسية ووصفه بـ"المقدس"، واللهث خلف سراب المفاوضات وتشديد العقوبات على قطاع غزة، ليس هذا فقط ما يُشعل غضب الفلسطينيين تجاه رئيسهم، بل إن اللقاءات السرية التي تجري في مقر المقاطعة بمدينة رام الله، بالضفة الغربية المحتلة، بين مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، قد زادت من شرارة هذا الغضب الكثير، حتى وصل حد التهديد بالعصيان والمطالبة بالمحاكمة والاتهام بالتطبيع وتقديم طوق النجاة لمجرمي الحرب.

الأسابيع القليلة الماضية شهدت مدينة رام الله العشرات من اللقاءات التي جمعت مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين على طاولة واحدة، وكان الرئيس محمود عباس، دائمًا من يتصدر الصورة التذكارية لهذه اللقاءات التي لاقت انتقادًا شعبيًا وفصائليًا كبيرًا، وسط صمت خانق من حركة فتح التي يسيطر عليها الرئيس "أبو مازن" منذ رحيل ياسر عرفات "أبو عمار".

لقاءات على دم الفلسطينيين

كتاب إسرائيليين وطلبة ومتقاعدون وسياسيون، وكذلك جنرالات وضباط في الجيش الإسرائيلي، وممثلون عن أحزاب معارضة ووزراء سابقون وأعضاء "كنيست"، جميعهم التقوا الرئيس عباس في مقر المقاطعة برام الله، وجلسوا في غرفة واحدة يتحدثون عن السلام والأمن والتعايش السلمي، فيما يواصل جيش الاحتلال وحكومته جرائمهم بالقدس وغزة والضفة.

ولعل آخر تلك اللقاءات التي أجراها الرئيس عباس مع المسؤولين الإسرائيليين، كانت قبل أيام، حين التقى في منزله مع رئيس جهاز "الشاباك" الإسرائيلي نداف أرغمان، بحسب ما كشفت الصحف العبرية.


الرئيس عباس خلال لقائه في رام الله وفدًا قياديًا إسرائيليًا برئاسة مسؤول لجنة السلام النائب عن حزب العمل جيليك بار

والأمر لم يتوقف عند اللقاء فقط، بل زعمت وسائل الإعلام، أن أرغمان،  طلب من الرئيس عباس تليين موقفه بشأن غزة كما تناولت المحادثات الثانية "التهدئة"، وقضايا أخرى في مقدمتها اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الأسبوع القادم، الذي من المتوقع أن يتخذ قرارات ضد حماس و"إسرائيل" والولايات المتحدة، حسب التقارير العبرية.

وفي 2 من سبتمبر/أيلول الماضي، كشف الرئيس عباس أنه يلتقي شهريًا مع رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) نداف أرغمان، وقالت القناة الـ13 العبرية إن الرئيس عباس يتوافق بشكل كامل مع رئيس الشاباك الإسرائيلي في الكثير من القضايا.

وأبلغ عباس وفدًا إسرائيليًا التقاه في رام الله بتاريخ 2 من سبتمبر/أيلول أنه يلتقي شهريًا برئيس الشاباك الإسرائيلي وأمر قادة الأجهزة الأمنية بالسلطة الفلسطينية بالالتقاء يوميًا بقادة جيش الاحتلال الإسرائيلي والمخابرات لتعزيز التعاون الأمني، بحسب ما نقلته القناة الـ13 العبرية.

فتح:استمرار لقاءات عباس مع الإسرائيليين تطبيق لقناعات متوافرة لدى السلطة الفلسطينية بضرورة فتح حوارات معهم، والبحث عن أرضية مشتركة لديهم​

حركة فتح بدورها دافعت عن تلك اللقاءات، وقال عضو المجلس الثوري في الحركة ونائب وزير الخارجية السابق عبد الله عبد الله إن "لقاءات عباس مع الإسرائيليين تأتي لإحداث تقدم في النقاش الإيجابي في المجتمع الإسرائيلي عن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، لأنه يتعرض لعملية غسيل دماغ من الحكومة الإسرائيلية الحاليّة التي تحرص على أن يبقى الإسرائيليون ملتفين حولها".

وأضاف عبد الله أن "استمرار لقاءات عباس مع الإسرائيليين تطبيق لقناعات متوافرة لدى السلطة الفلسطينية بضرورة فتح حوارات معهم، والبحث عن أرضية مشتركة لديهم، خصوصًا مع أولئك الذين يبدون خشية على مستقبلهم في المنطقة بسبب السياسات التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية الحاليّة، لا سيما التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس وتجميد عملية السلام مع الفلسطينيين واستمرار الحصار على غزة".

هذه اللقاءات، اعتبرها القيادي البارز في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالضفة المحتلة، عبد العليم دعنا "تطبيع مع الصهيونية"، وقال دعنا إن "الجبهة الشعبية تدين مثل هذه اللقاءات والاجتماعات، وعقدها يثير الاستغراب، خصوصًا في الوقت الذي رفض فيه عباس الالتقاء بالفصائل والكل الفلسطيني، لاتخاذ موقف سياسي موحّد"، معتبرًا لقاءات عباس مع الإسرائيليين بمثابة "طعنة في ظهر الفلسطينيين وتضحياتهم".


الرئيس عباس خلال استقباله وفود إسرائيلية في رام الله

وأضاف دعنا أنه "لا يمكن الصمت على استمرار هذه اللقاءات العبثية التي لن تجلب لشعبنا إلا المزيد من الويلات والمصائب، فلا يوجد ما يبرر استمرار هذه اللقاءات مع الاحتلال، خاصة أن اللقاء الأخير شهد حضور مجموعة من مجرمي الحرب الصهاينة والملطخة أيديهم بدماء أبناء شعبنا، ومنهم شمعون شطريت وزير شؤون المغاربة اليهود واستجلاب مستوطنين، وعميرام متسناع الذي كان أحد أبرز مهندسي سياسة تكسير العظام، وآخر استجلب يهود الفلاشا، وآخر قائد سابق لسلاح المظليين".

وطالب القيادي في الجبهة الشعبية، بموقف شعبي وطني وفصائلي ضاغط لمواجهة تلك اللقاءات وحل لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي لدورها في التطبيع مع الاحتلال، خاصة أن هناك إجماعًا شعبيًا على حل هذه اللجنة التي تشوه إنجازات حركة المقاطعة الدولية للاحتلال.

مؤكدًا أن تذرع القيادة المتنفذه اليوم بأنهم من معسكر التسوية لا يلغي دورهم الدموي والسياسي الأخطر اليوم الذي يصب بمجمله في خدمة سياسات وممارسات ومخططات الاحتلال، مع أهمية إدراك الحقيقة بأن المعسكر الصهيوني هو الذي يستخدم السلطة لترويج سياساته وليس العكس، وبالتالي فإن هذه اللقاءات ليست عبثية بالنسبة للإسرائيليين بل مفيدة لهم.

مرحلة تلميع عباس

بدورها أكدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على لسان القيادي فيها سامي أبو زهري، أن اللقاءات التي يجريها الرئيس عباس مع المسؤولين الإسرائيليين، تؤكد للجميع سيره على نهجه المتمسك بالمفاوضات العبثية مع الاحتلال ومحاولة إعادة دوره في الساحة من جديد.

مصادر: هدف اللقاءات إعادة عباس مجددًا إلى نقطة الضوء بعدما أُقصي عنها على يد حكومة نتنياهو والولايات المتحدة مؤخرًا

وأوضح أبو زهري أن أي لقاءات مع أي مسؤول إسرائيلي تعد خيانة للشعب الفلسطينية وتضحياته التي يقدمها بشكل يومي في محاربة هذا المحتل، مشيرًا إلى أن جلوس الرئيس عباس مع مجرمي الحرب هو تقديم طوق نجاة لهم، وهذا الأمر بحاجة إلى مساءلة ومحاكمة من الشعب وفصائله وقواه الوطنية.

وفي ذات السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عبد الستّار قاسم، في لقاء عباس بزعماء إسرائيليين تمسكًا منه "بنهج المفاوضات التي لم تتوقف إلا إعلاميًا"، مشيراً إلى أن "المفاوضات والاتصالات قائمة بين السلطة من جهة والاحتلال والإدارة الأمريكية من جهة أخرى، معتبرًا أن استمرارها هو مبرّر وجود السلطة.

وتابع قاسم: هم (قادة السلطة) ربطوا أنفسهم بأعداء الشعب الفلسطيني، وبالتالي لا يمكنهم الانفكاك عنهم، مستكملًا: "عباس لن يستطيع تحقيق أيّ إنجازات للفلسطينيين تحت سقف أوسلو والمفاوضات التي أثبتت فشلها على مدار 25 عامًا".

وبعيدًا عن الاتهامات والانتقادات الشديدة التي يتعرض لها الرئيس عباس (المنتهية ولايته في يناير 2009)، بعد لقاءاته المتكررة بالمسؤولين الإسرائيليين داخل منزله أو مقر المقاطعة برم الله، تحدثت مصادر أن تلك اللقاءات تهدف لإعادته مجددًا إلى نقطة الضوء بعدما أُقصي عنها على يد حكومة نتنياهو والولايات المتحدة مؤخرًا، إضافة إلى ترقب الفلسطينيين أنفسهم لمرحلة ما بعد أبي مازن.

خلال لقاء مع نواب إسرائيليين بمقر المقاطعة برام الله

ويقول عمر البرغوثي الناشط في حركة مقاطعة "إسرائيل"، إن اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة "إسرائيل"، وهي أكبر تحالف في المجتمع الفلسطيني، تدين كل أشكال التطبيع مع "إسرائيل"، بما في ذلك التطبيع الأمني والاقتصادي والرسمي والشبابي والبيئي والأكاديمي.

ويضيف البرغوثي أن هذا الموقف يشمل التطبيع مع دولة الاحتلال وأحزابها الصهيونية ومؤسساتها المتواطئة في احتلالها واستعمارها ونظامها العنصري، مشددًا على أن اللقاء بالأحزاب الصهيونية والمؤسسات المتورطة في جرائم "إسرائيل" ضد الفلسطينيين تصب في خانة التطبيع "أي إظهار علاقة الاضطهاد والاستعمار القائمة وكأنها علاقة طبيعية".

سجلت حركة مقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها نجاحات كبيرة أربكت الإسرائيليين أنفسهم وجعلت حكومة بنيامين نتنياهو تخصص نحو 200 مليون دولار من موازنتها لهذا العام من أجل مواجهة هذه الحركة

ويوضح أن التطبيع من أهم معيقات حركة مقاطعة "إسرائيل" عالميًا وعربيًا ومحليًا، وأضاف أن تسويق اللقاءات مع الإسرائيليين بهدف "اختراق المجتمع الإسرائيلي" أدى إلى اختراق المجتمع الفلسطيني وتقويض قيمه الوطنية والأخلاقية وتوفير ورقة التوت للتغطية على الاستعمار الإسرائيلي وسياساته.

وسجلت حركة مقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها نجاحات كبيرة أربكت الإسرائيليين أنفسهم وجعلت حكومة بنيامين نتنياهو تخصص نحو 200 مليون دولار من موازنتها لهذا العام من أجل مواجهة هذه الحركة وتفادي العزلة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تهدد بها أنشطتها المتنامية عالميًا.

وتجدر الإشارة إلى أن لقاءات الرئيس عباس مع الإسرائيليين بمعظمها تتم بتنسيق وترتيب من محمد المدني عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي التي شُكلت بمرسوم رئاسي فلسطيني في ديسمبر/كانون الأول من عام 2012، ويبدو أنها أُسست لتوحيد الخطاب الفلسطيني تجاه الإسرائيليين بشرائحهم المختلفة للعمل من أجل صنع السلام بين الجانبين، ومحاولة ضرب مزاعم اليمين الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين، وآخرها يوم 4 من فبراير/شباط عبر اتهام السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون للرئيس عباس بالتحريض وتغذية أعمال العنف والحيلولة دون استقطاب المزيد من الإسرائيليّين لصفوف الأحزاب اليمينية، والعمل في الأوساط الثقافية والأكاديمية الإسرائيلية للضغط على حكومتها للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين.