عواصف التغيير لم تنته بعد في العاصمة السياسية للاتحاد الإفريقي "أديس أبابا" التي لفتت أنظار العالم في الآونة الأخيرة منذ أن قرر رئيس الوزراء الأسبق مليس زنّاوي في العام 2011 إنشاء سد النهضة (هيداسي جاديب) باللغة الأمهرية، فقد تسبب السد في أزمةٍ كبرى مع مصر لا تزال مستمرة حتى الآن تزداد وتخبو حسب تطورات الأحداث، وتواصلت المفاجآت الإثيوبية في عهد رئيس الحكومة السابق هايلي مريام ديسالين بتحقيق البلاد أعلى معدل نمو على مستوى العالم ثم جاءت النقلة الكبرى في عهد رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد عندما أعلن في خطاب التنصيب "أبريل/ نيسان الماضي" تبنّيه لمبادرة صلح مع الجارة إريتريا، ثم اتخذ عدة قرارات جريئة أبرزها إتاحة حرية الرأي والعفو عن المعارضين السياسيين.

صباح الثلاثاء 16 من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري كان الناس على موعدٍ مع حكومة جديدة رشّحها رئيس الوزراء آبي أحمد واعتمدها مجلس النواب "البرلمان بالإجماع. وتمثّلت مفاجآت الحكومة الجديدة في تقليص أعضائها إلى 20 فقط بدلًا عن 20 شخصًا أما المفاجأة الأكبر فكانت تخصيص 50% من المقاعد للنساء حيث أُسندت حقيبة الدفاع لوزيرة البناء في الحكومة السابقة عائشة محمد موسى فيما كانت وزارة السلام بشكلها الجديد وصلاحياتها الواسعة من نصيب مفرحات كامل رئيسة البرلمان سابقًا.

الحكومة الإثيوبية الجديدة جاءت ــ على ما يبدو ــ تتويجًا للتوصيات التي اعتمدها ائتلاف "الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية الحاكم" في مؤتمره ال11 الذي انعقد مطلع الشهر الحالي في هوّاسا عاصمة إقليم الجنوب وجددّ الثقة في آبي أحمد رئيسًا وديمقي ميكونن نائبًا له. وتمثلت أهم التوصيات التي خرج بها المؤتمر ال11، في المضي قدمًا نحو تعزيز الإصلاح وتوسيع المشاركة في الحكومة، والعمل على محاصرة الفوضى والفساد وسيادة حكم القانون إلى جانب تحسين الأوضاع الاقتصادية للشعب وقد نجح الائتلاف الحاكم في البقاء موحدًا رغم ما يتردد عن خلافات تدور بين أحزابه الأربعة، جبهة تحرير تغراي وحزب الأرومو الديمقراطي، وحزب الأمهرا الديمقراطي، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا.

ملامح التشكيل الوزاري الجديد

إلى جانب خفض ودمج الوزارات في 20 مقعدًا بدلًا عن 28، راعى التشكيل الجديد إلى تمكين الأقليات التي لم يتمتع أفرادها بأية مواقع قيادية من قبل، مثل قومية العفر التي تنحدر منها عائشة محمد موسى وزيرة الدفاع كما حُظى الإقليم الصومالي بحقيبة المالية التي انتقل إليها أحمد شيدي وزير الاتصال الحكومي السابق مع العلم أن الأخير ليس عضوًا في الائتلاف الحاكم.

لاحَظ كذلك بقاء عدد من الوزراء في مواقعهم مثل وزير الخارجية ورقينيه قيبيو الذي حقق نجاحات كبيرة للدبلوماسية الإثيوبية وبقيت أديس أبابا في عهده على حيادها وقوتها الناعمة رغم الاستقطابات

واستحدثت الهيكلة الجديدة وزارة السلام لأول مرة التي اُختيرت لها رئيسة البرلمان السابقة مفرحات كامل بصلاحياتٍ واسعة، لتكون مشرفة على جهاز الاستخبارات والأمن الوطني (NISS) ووكالة أمن شبكة المعلومات ( INSA) ولجنة الشرطة الفيدرالية إلى جانب مركز الأمن والمعلومات المالية، ومعهد الدراسات الاستراتيجية للعلاقات الخارجية الإثيوبية، والإدارة الرئيسية لشؤون الهجرة والجنسية .هذه الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها مفرحات كامل جعلت الكثير من المواطنين يقولون إنها ستكون أقوى امرأة بحسب وصف المدون الإثيوبي محمد توفيق.

غير أن مراقبين آخرين لاحظوا عدم وجود تمثيل لإقليم بني شنقول قمز في التشكيلة الحكومية الجديدة وربطوا بين ذلك وبين المواجهات العرقية الأخيرة التي شهدها الإقليم والتي أدّت إلى طرد وتهجير 70 ألفًا من قومية الأورمو في مؤشرٍ خطير على تداعيات استمرار الصراع العرقي.

ويُلاحَظ كذلك بقاء عدد من الوزراء في مواقعهم مثل وزير الخارجية ورقينيه قيبيو الذي حقق نجاحات كبيرة للدبلوماسية الإثيوبية وبقيت أديس أبابا في عهده على حيادها وقوتها الناعمة رغم الاستقطابات التي تشهدها المنطقة مثل الأزمة الخليجية التي نأت فيها أديس أبابا عن الانحياز لأي طرف، كما لم تعلّق الخارجية الإثيوبية كمعظم الدول الإفريقية الكبرى على قضية جمال خاشقجي بعكس دول الجوار التي تهافت أكثرها على مجاملة السعودية مثل السودان وإرتريا والصومال وجيبوتي.

وهنا لابد أن نستذكر دور "صقور" مؤسسة الخارجية الإثيوبية في الحفاظ على السياسة المتوازنة مثل وزيرة الدولة هيروت زيمني ووزير الدولة الآخر بوزارة الخارجية أفيرسي كاسو إلى جانب المتحدث الرسمي ملس ألم.

كذلك، أبقى آبي أحمد على وزير الصحة أمير أمان الذي أذهل الناس بتحركاته الطموحة وخططه الواضحة التي ترمي إلى تحسين الأوضاع الصحية للمواطن الإثيوبي كما اشتهر بتشجيع استخدام التقنية الحديثة في توصيل الأدوية والأمصال إلى المناطق النائية بالبلاد.

وجدد رئيس الوزراء الثقة في وزير المياه والكهرباء سلشي بيكلي من أجل الإشراف على ملف مفاوضات سد النهضة مع السودان ومصر حتى نهاياته، وأبقى كذلك على النائب العام "وزير العدل" برهانو تسغي في منصبه ربما ليواصل حملة مكافحة الفساد واتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة المتهمين بحادثة التفجير التي استهدفت حشدًا جماهيريًا حضره آبي أحمد في يونيو/ حزيران المنصرم واعتبرها كثيرون محاولةً لاغتيال رئيس الوزراء الجديد ولا ننسى أن نلفت إلى إنصاف رئيس الوزراء الإثيوبي لجبهة تحرير تغراي التي كانت تُجابه بحملةٍ من قبل البعض يصفونها ب"الدولة العميقة" غير أن آبي أحمد كلّف حاكم إقليم تغراي دبراسيون جبر مايكل بملف العلاقات مع إريتريا بحكم علاقة الجوار والمصاهرة بين الإقليم ودولة إريتريا. كما بقيت الجبهة حاضرةً في التشكيلة الجديدة فمُنحت منصب وزارة التجارة في شخص السيدة فتلي وورق جبر أقزابهير وحقيبة المرأة وشؤون الطفل والشباب ليالِّم طجايي.

أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة

أولها بلا شك معالجة الصراعات الإثينية العميقة التي تكاد أن تعصف باستقرار البلاد حيث دارت في الفترة الماضية مواجهات في إقليم الصومال الإثيوبي "أوغادين"، وأخرى بين الأورومو وقبائل بني شنقول قمز للسيطرة على المناطق الصالحة للزراعة على طول الحدود المشتركة بين الإقليمين وأدّت الاشتباكات الأخيرة إلى مقتل ما يزيد عن 50 شخصًا وتهجير عشرات الآلاف.

إكمال سد النهضة سيكون على رأس خطط مجلس الوزراء الجديد

ولعل الجميع يتذكرون أحداث العنف والاضطرابات التي وقعت في ضواحي العاصمة أديس أبابا الشهر الماضي والتي لم تنتهِ إلا بتدخل قوات النخبة والبوليس الفيدرالي، فهناك اتهامات موجهة لحكومة آبي أحمد بالتراخي والتساهل مع التفلتات الأمنية على حساب خطاب الإصلاح والحريات. لذلك ستكون المواءمة بين الإصلاحات وحفظ الأمن والاستقرار أحد أهم التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة.

إكمال سد النهضة سيكون على رأس خطط مجلس الوزراء الجديد فقد عيّنت هيئة الطاقة والكهرباء مؤخرًا المهندس كيفلي أوهورو مديرًا للمشروع خلفًا للراحل سيمجنيو بيكلي والسَّد حلم لإثيوبيا لن تفرط فيه بسهولة بعد أن قطع أشوطًا مقدرة في مراحل إنجازه برغم التعثر الأخير والمشكلات الفنية والمالية التي تواجهه فضلًا عن الخلافات التي تعتري مسار المفاوضات مع مصر.

وتراهن حكومة الإصلاح بقيادة آبي أحمد على زيادة الاستثمارات الأجنبية لإنعاش الاقتصاد ومكافحة الفقر فقد استقبلت إثيوبيا في أول أيام عيد الفطر الماضي ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد الذي ضخّ في الاقتصاد الإثيوبي 3 مليارات دولار منها مليار وديعة مباشرة بالبنك المركزي والبقية استثمارات متنوعة، كما ستستقبل أديس أبابا العام المقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حيث تحتل تركيا المرتبة الأولى من حيث الاستثمارات الأجنبية في إثيوبيا بشهادة رئيس الجمهورية مولاتو تيشومي.

وتضع الحكومة الجديدة قطاع السياحة ضمن أولوياتها، إذ أطلقت شركة الخطوط الجوية الإثيوبية باقات التوقف "الترانزيت" للمسافرين الدوليين العابرين عبر مطار العاصمة فمنحتهم فرصةً لزيارة الأماكن السياحية القريبة، وفي الإطار ذاته أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد قبل أيام عن إعفاء كافة الزوار الأفارقة من تأشيرة الدخول المسبقة اعتبارًا من مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني القادم وقبل ذلك سهّلت إدارة الهجرة متطلبات التأشيرة للسياح من الجنسيات الأخرى عبر إصدارها إلكترونيًا وفي دقائق قليلة. كل هذا يأتي ضمن خطط حكومة الإصلاح لتشجيع السياحة واستقطاب مداخيل جديدة.

مخاوف من تخصيص الحقائب العسكرية للنساء

لا يخفي المحلل السياسي الإثيوبي ألِم برهاني قلقه من إسناد حقيبتي الدفاع والسلام "بصلاحياتها الواسعة" للنساء، ويبرر في حديثه الخاص ل"نون بوست" بأن البلاد "تشهد صراعات إثنية وتواجه مخاطر أمنية لا يصح معها استبعاد المخضرمين من القادة العسكريين". ويضيف "إثيوبيا نظامها الأمني قوي ولديها ثاني أقوى جيش إفريقي وليس من الحكمة تسليم جهازي الشرطة والجيش لهاتين الامرأتين"

ولكن للكاتب نور عبدا وجهة نظر أخرى، فقد رأى أن تعيين عائشة محمد وزيرة للدفاع رسالة واضحة لقيادات الجيش معناها "أنتم تتبعون قيادة سياسية مدنية لها القول الفصل، وعليكم السمع والطاعة وإن تأمَّرت عليكم  سيدة!"

وأشار عبدا في تغريدة له إلى أن "تشكيلة آبي أحمد لحكومته المصغرة خالفت جميع التقاليد السياسية التي درج عليها الائتلاف الحاكم. وتُظهر توجهًا واضحًا لإعطاء الأقاليم الطرفية صوتًا قويًا في صناعة القرار السياسي والاقتصادي". وبالتأكيد يقصد نور عبدا إقليمي العفر وإقليم شعوب جنوب إثيوبيا اللذان تنحدران منهما وزيرة الدفاع عائشة محمد موسى ومفرحات كامل على التوالي.

ونعتقد أنه لا يوجد مانع من إعطاء نساء إثيوبيا فرصةً للمشاركة الفاعلة في إدارة ملفات البلاد المعقدة. فالمرأة الإثيوبية أثبتت وجودها وكفاءتها على مر العصور جنبًا إلى جنب مع شقيقها الرجل ولن تكون أقل طموحًا وعطاءً منه. ورغم أن عُمر الحكومة الإثيوبية الجديدة لن يزيد عن عام ونصف نسبة لاقتراب الانتخابات العامة "2020" والتي ستكون شرسة هذه المرة لوجود أحزاب المعارضة السياسية التي عادت إلى البلاد مؤخرًا فإن هناك أمل كبير في نجاح التشكيل الوزاري الجديد بقيادة آبي أحمد في تحقيق إنجازات تدفع بالائتلاف الحاكم نحو اكتساح الانتخابات المقبلة بارتياح وإن فشلت الحكومة في تحقيق تطلعات الشعب سيتجه لا محالة إلى التصويت بكثافة لأحزاب المعارضة.