يستعد محمد المصطفى (22 عامًا) للانضمام إلى الجامعة بقسم الهندسة بعد أن حصل على الشهادة الثانوية بفرعها العلمي في مدينة الباب، ضمن العام الدراسي 2017 ـ 2018، كان محمد قد انقطع عن الدراسة لعدة أعوام نظرًا للظروف التي شهدتها المنطقة خلال مرورها بسيطرة النظام وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لاحقًا، وبعد سيطرة قوات المعارضة المسلحة قرر محمد العودة إلى مقاعد الدراسة في الثانوية العامة في مدينة الباب، ليتوج عامه الدراسي بالنجاح.

وقال المصطفى خلال حديثه لـ"نون بوست": "رغم الصعوبات التي عشتها في المنطقة خلال السنوات الماضية وانقطاعي عن الدراسة، أخيرًا تمكنت من النجاح في (البكالوريا) شهادة الثانوية العامة، بمجموع جيد جدًا"، وأضاف: "الحقيقة كنت محتارًا قبيل دخول المدرسة من جديد، لأنني لن أجد جامعة أكمل دراستي فيها، حتى أُعلن افتتاح فرع جديد لجامعة حران التركية في مدينة الباب".

وعلى الرغم من وجود جامعة حلب في المناطق المحررة، لكنها تبعد عشرات الكيلومترات عن مدينته الباب، وفي الوقت نفسه إلى الآن جامعة حلب لم تحصل على اعتراف دولي، وإنما محلي فقط، ويبقى مصير مئات الطلاب الذين يدرسون فيها مجهولًا.

 فرع جامعة حران التركية داخل مدينة الباب

وأوضح الطالب المصطفى أن "إعلان افتتاح فرع لجامعة حران ترافق مع بدء امتحانات الشهادة الثانوية العامة، مما فتح أمام الطلبة أمل جديد يمكنهم من إكمال تعليمهم، وبذل الجهد لنيل الشهادة"، بينما انقطع الطلاب عن التعليم لسنوات عدة، وعلى الرغم من وجود مقاعد دراسية كانوا يرفضون العودة إليها بسبب عدم وجود جامعة معترف بها في المنطقة يستكملون فيها دراستهم.

وربط محمد دخوله الجامعة في قسم الهندسة المعمارية، بقوله: "دخلت قسم الهندسة لأكون أحد الفاعلين الأساسيين في بناء بلدي سوريا نظرًا لتعرضها للدمار نتيجة قصف النظام وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لها"، وبيّن أن سوريا بحاجة ماسة للكثير من الكوادر في كل المجالات، ولا يمكن الاعتماد على كوادر خارجية فيجب على أبناء البلد بنائها من جديد، كما يأمل محمد أن يستطيع إنجاز ما بدأ فيه بسلام، بعد أن أبدى مخاوفه من عودة الفوضى في المنطقة، أي تعرضها لقصف أو ما شابه.

وبينما تندثر معالم الحرب في المنطقة، يُفتح أمام السوريين أمل جديد ينبض بالحياة يعوضهم ما مضى وما سلب من حقوقهم وأصبح من أمنياتهم، جامعة حران في مدينة الباب لها بريق خاص، نظرًا لنيلها الاعتراف التركي والعالمي، وكذلك مجتمع تعليمي لكل شبان المنطقة المحليون والمهجرون بكثافتهم بعد التهجير الذي تعرضوا خلال هذا العام، لعلها تنقذ ما مضى.

بارقة أمل للسوريين

وقع المجلس المحلي في مدينة الباب بريف حلب الشرقي في يونيو/حزيران اتفاقية مع جامعة حران التركية لافتتاح فرع لها داخل المدينة، وبحسب الاتفاقية، يقع على عاتق المجلس تأمين المكان وترميمه، إضافة إلى تأمين السكن الجامعي للطلاب غير القاطنين داخل مدينة الباب، من جانبها جامعة حران التركية ستقدم التعليم مجانًا دون أي رسوم، كما ستقدم الاعتراف بالشهادات الممنوحة بالإضافة إلى كوادر الهيئة التدريسية، وخلال الشهر نفسه بدأت الجامعة بإعادة ترميم بناء الثانوية الشرعية في مدينة الباب لجعله مقرًا لفرع الجامعة، كما ترافقت مع عمليات البناء بدء التسجيل حسب المفاضلة التي أقرتها الجامعة.

ستستقبل الجامعة بشكل أولي الطلاب المستجدين الحاصلين على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، بفرعيها العلمي والأدبي، التي صدرت عن مناطق المعارضة

التقى "نون بوست" مدير التربية والتعليم في المجلس المحلي في مدينة الباب الأستاذ فوزي السايح، والذي قال لنا أن "الكثير من الطلبة يرفضون الدراسة في جامعات النظام، ولكي لا يضيع جهدهم سدى خلال سنوات دراستهم حاولنا إيجاد حلول وهي التعاقد مع جامعات حكومية معترف بها"، ولا يستطيع الطلاب في المناطق المحررة الذهاب إلى مناطق النظام، لأنه كان سببًا في تشريدهم ودمار منازلهم، وكذلك إن سمحت لهم الفرصة لن ينجوا من حواجز النظام وأجهزته الأمنية التي تعتقلهم فور دخلوهم مناطقه.

وأضاف السايح "هدفنا تأمين جامعات للطلبة في المنطقة بعد فقدانهم لتعليمهم، لذلك تم التعاقد مع جامعة حران التركية الحاصلة على اعتراف داخلي تركي وعالمي، ونطمح من خلال هذه الجامعة دعم التعليم العالي بالوسائل كافة" وبيّن "الاستقرار في المنطقة جعل التعليم في مختلف مستوياته ذا استمرارية، ومن ذلك سنكون قادرين على تخريج كفاءات علمية قادرة على البذل والعطاء في المناطق المحررة".

وستستقبل الجامعة بشكل أولي الطلاب المستجدين الحاصلين على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، بفرعيها العلمي والأدبي، التي صدرت عن مناطق المعارضة سواء في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون أم لدى الحكومة السورية المؤقتة في محافظة إدلب ومناطق حلب وحماة واللاذقية غرب سوريا، كما يحق لحاملي الشهادة الثانوية من مديرية التربية التابعة للنظام السوري.

ويحتاج المتقدم للمفاضلة صورة عن شهادة اليوس YÖS)) إن وجدت، وهو فحص اختبار المستوى للطلاب الأجانب، بينما كانت جامعة حران قد أجرت هذا الامتحان في مدينة الباب منذ مايو/أيار الماضي لأكثر من 500 طالب وطالبة، فيما يمتلك الحاصل على هذه الوثيقة الأفضلية في الدخول إلى الجامعة.

ينتظر الكثير من الشبان انطلاق دوام الجامعة للعام الدراسي 2018 ـ 2019 الذي بدا كبارقة أمل جديد تجمع الطلبة السوريين من مختلف خلفياتهم في مقاعد دراسية واحدة ومستقبل واعد

كما يحتاج إلى صورة عن جواز السفر أو الهوية الشخصية، مترجمة إلى اللغة التركية ومصدّقة من المجلس المحلي في المدينة، وتقدم الأوراق إلى موظف ندبته الجامعة إلى مديرية التربية لمساعدة الطلاب في تسجيل مفاضلتهم على الموقع الإلكتروني لها.

وذكر السايح "حاليًّا يتم التباحث بشأن إمكانية استكمال الدراسة للمنقطعين عن جامعاتهم، خلال السنوات السابقة قبل اندلاع الثورة السورية، وكيفية إيجاد الحلول العملية التي تؤمن لهم مقاعد دراسية في الجامعة"، وأوضح أن الدراسة ستكون باللغات العربية والتركية والإنجليزية، والمناهج ستكون مناهج جامعة حران في تركيا بعد تعريبها، فيما تتوفر عدة اختصاصات في الجامعة بحسب المفاضلة المقدمة، وهي الهندسة بأقسامها كافة، والعلوم والفيزياء والكيمياء والرياضيات، كما تسعى لاحقًا لإضافة فروع أخرى تناسب متطلبات المجتمع كإدارة الأعمال واللغات والإعلام والحقوق والاقتصاد، إضافة إلى الطب البشري والأسنان والصيدلة والتمريض، نظرًا للحاجة لهم.

وينتظر الكثير من الشبان انطلاق دوام الجامعة للعام الدراسي 2018 ـ 2019 الذي بدا كبارقة أمل جديد تجمع الطلبة السوريين من مختلف خلفياتهم في مقاعد دراسية واحدة ومستقبل واعد، ومن المرجح أن ينطلق الدوام في الجامعة خلال الأيام القليلة القادمة بحسب السايح، فيما يقدر عدد الطلبة لهذا العام 1200 ما بين طالب وطالبة، في مختلف الأقسام الموجودة في الجامعة.