تمر العلاقات المصرية الإسرائيلية بأزهى وأكثر مراحلها تطورًا ونضوجًا منذ سنوات طويلة، وبات واضحًا مدى التوافق والانسجام بين الجانبين على الكثير من القضايا الأساسية والحساسة في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية بملفاتها الشائكة. 

تطور العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، أصبح ككرة الثلج يكبر وينمو تدريجًا مع مرور الأيام، حتى وصل لمرحلة تبادل الزيارات المكثفة والعلنية بين الطرفين، حيث تقول مصادر صحفية إن وزير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل، سيزور "إسرائيل" نهاية الأسبوع الحاليّ، للقاء المسؤولين الإسرائيليين على رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، ومدير جهاز الأمن العام نداف أرجمان. 

زيارة اللواء المصري عباس كامل لـ"إسرائيل" ستكون الثانية خلال أقل من شهرين، في مؤشر واضح، يرى فيه مراقبون ومحللون، بأنه "يعكس مدى الانسجام الكبير بين القاهرة وتل أبيب في التعامل مع الملفات العالقة بالمنطقة، وقد تمهد لمرحلة أكثر تطورًا وعمقًا في العلاقات بين الطرفين، على حساب القضية الفلسطينية". 

ملفات حساسة 

مسؤولون فلسطينيون كشفوا لـ"نون بوست" أن مدير جهاز المخابرات المصرية سيصطحب معه وفدًا أمنيًا مصريًا رفيع المستوى، وسيعقد لقاءات مكثفة مع المسؤولين المصريين، للتباحث في قضايا ثنائية وكذلك قضايا أخرى تتعلق بملفات القضية الفلسطينية. 

موضحين أن الوفد المصري بعد الانتهاء من زيارة تل أبيب سيتوجه إلى مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مشيرين إلى أن هذا اللقاء حتى هذه اللحظة لم يحدد بشكل رسمي، وإمكانية رفض الرئيس الفلسطيني لقاء اللواء عباس كامل ستكون واردة بسبب التوتر الحاصل بين الرئيسي السيسي وأبو مازن، في المرحلة الأخيرة. 

ملف "صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي"، سيكون الثالث الذي سيوضع على الطاولة للنقاش بين الجانبين المصري والإسرائيلي

وعن طبيعة الملفات التي سيضعها مدير المخابرات المصرية على طاولة النقاش مع المسؤولين الإسرائيليين، أكد المسؤولون الفلسطينيون وجود 5 ملفات مصيرية وحساسة ستفتح على طاولة اللقاء بين المخابرات المصرية والمسؤولين الإسرائيليين الأمنيين والسياسيين. 

تعد أول تلك الملفات، التوصل إلى تهدئة شاملة وطويلة الأمد في قطاع غزة مع حركة حماس، وضرورة توفير كل الأجواء التي تلزم لإبرام هذه التهدئة بصورة عاجلة، وأولها القبول بشروط حماس برفع الحصار المفروض على سكان القطاع. 

أما ثاني الملفات، فهو متعلق بمسيرات العودة التي تُشعل حدود قطاع غزة منذ 30 من مارس الماضي، والسعي من خلال التحركات المستمرة لإيجاد حلول واقعية وجادة، تقلل من مفعول تلك المسيرات الشعبية أو حتى توقفها بشكل نهائي، قبل أن تجر إلى حرب رابعة وجديدة على القطاع، لا تريدها كل من مصر و"إسرائيل" على الأقل في الوقت الراهن. 

ملف "صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي" سيكون الثالث الذي سيوضع على الطاولة للنقاش بين الجانبين المصري والإسرائيلي، ويوضح المسؤولون أن مصر تريد الإسراع بإنجاز هذا الملف الذي ترعاه بمساعدة من ألمانيا منذ العام 2014، ولكن حتى اللحظة لم يحصل أي تقدم بسبب رفض "إسرائيل" الالتزام بشروط حماس والإفراج عن معتقلي "صفقة شاليط" 2011. 

وتأسر كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس منذ عام 2014، أربعة إسرائيليين، بينهم جنديان، لم يُعرف حتى الآن مصيرهما، حيث ترفض الحركة تقديم معلومات عمَّا إذا كانا على قيد الحياة قبل إطلاق الحكومة الإسرائيلية سراح معتقلي "صفقة شاليط" بالضفة. 

وأعاد الاحتلال اعتقال العشرات من محرَّري صفقة "الوفاء للأحرار" التي تمت عام 2011، وأُفرج بموجبها عن ألف أسير من ذوي الأحكام العالية وقدامى الأسرى مقابل إطلاق سراح الجندي شاليط الذي أُسِر من على حدود قطاع غزة صيف 2006. 

تفجير أوضاع غزة 

وعن الملف الرابع، تحدث المسؤولون الفلسطينيون لـ"نون بوست"، أنه يتعلق بإيجاد آلية ضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لوقف تصعيده وتهديده لقطاع غزة، بفرض عقوبات اقتصادية صارمة خلال الأيام القليلة المقبلة، التي قد تشمل إيقاف رواتب موظفي السلطة كافة، وسحب الأموال من بنوك غزة، وحل المجلس التشريعي، وإعلان قطاع غزة "إقليم متمرد"، الأمر الذي سيفجر الأوضاع في غزة نحو مصر و"إسرائيل" معًا. 

كشف في هذا الصدد، القيادي في حماس عصام الدعاليس، أن الأمم المتحدة، ودول بينها تركيا وقطر ومصر، تعمل على تخفيف أزمات قطاع غزة في سياق جهود تثبيت وقف إطلاق النار مع "إسرائيل"

ويفرض عباس إجراءات عقابية إضافية على خلفية التفجير الذي استهدف موكب رئيس حكومته بغزة، الذي نفت حماس ضلوعها فيه، وشملت العقوبات خصمًا يتراوح بين 40% و50% من رواتب موظفي السلطة وتقليص كمية الكهرباء والتحويلات الطبية وإحالة الآلاف إلى التقاعد المبكر الإجباري، والتأخير المتعمَّد في صرف رواتب الموظفين، ما ضاعف الأزمة والمعاناة في غزة. 

الملف الخامس والأخير، سيكون بحسب المسؤولين الفلسطينيين، بحث إمكانية تطوير وتوطيد العلاقات المصرية الإسرائيلية في المرحلة المقبلة وفتح باب تبادل الخبرات والتشاور الأمني والسياسي واللقاءات المكثفة على مصرعيه، في التعامل مع القضايا بالمنطقة. 

الجدير ذكره هنا أن التحرك المصري الأخير بتفعيل الملفات الفلسطينية وتكثيف اللقاءات مع "إسرائيل" الأسابيع الأخيرة، جاء بالتزامن مع تصريحات من قيادات حركة حماس، عن جهود عربية ودولية تبذل من أجل رفع الحصار عن قطاع غزة، وإبرام تهدئة شاملة مع "إسرائيل". وكشف في هذا الصدد، القيادي في حماس عصام الدعاليس، أن الأمم المتحدة، ودول بينها تركيا وقطر ومصر، تعمل على تخفيف أزمات قطاع غزة في سياق جهود تثبيت وقف إطلاق النار مع "إسرائيل". 

وقال الدعاليس إن "تركيا ومصر وقطر والمغرب تعمل لسد الفراغ الذي خلفته السلطة الفلسطينية بتخليها عن مسؤوليتها تجاه قطاع غزة"، مضيفًا "عندما تتخلى السلطة عن مسؤوليتها تجاه غزة المحاصرة يتقدم أحرار العالم وعلى رأسهم قطر ومصر وإيران وتركيا والمغرب لسد هذا الفراغ دون أثمان سياسية وفاءً لدماء شهدائنا وجرحانا في مسيرات العودة". 

ويعاني قطاع غزة منذ 12 عامًا من حصار مشدد وخناق، ويعتمد 80% من سكانه على المساعدات المقدمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيما ارتفعت معدلات الفقر والبطالة في صفوف الغزيين لأرقام جنونية بسبب تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية والاقتصادية، بفعل الحصار المشدد وعقوبات الرئيس عباس التي يفرضها منذ أبريل 2017. 

ويسود الانقسام السياسي أراضي السلطة الفلسطينية منذ منتصف يونيو 2007، في أعقاب سيطرة حماس على غزة بعد فوزها بالانتخابات النيابية، في حين تدير حركة فتح التي يتزعمها الرئيس محمود عباس، الضفة الغربية.