بعد عامين تقريبًا من موجات المد والجذر بشأن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي إستجابة للاستفتاء المُجرى في 2016 والذي انتصر فيه البريطانيون لخيار الانفصال، يبدو أن الإجراءات التنفيذية الرسمية للخروج من العباءة الأوروبية باتت وشيكة.

مفاوض الاتحاد الأوروبي لشؤون انسحاب بريطانيا ميشيل بارنييه، قال أمس الأربعاء، إن الاتفاق مع لندن ربما يكون ”قريب المنال“ الأسبوع المقبل، داعيًا إلى تحقيق تقدم حاسم في المحادثات قبل قمة الاتحاد والمقررة في 17 أكتوبر/تشرين الجاري في بروكسيل.

وجدير بالذكر أن هذا الأسبوع ستجرى جولة أخرى من المفاوضات في محاولة للتغلب على الخلافات بشأن واحدة من أكبر العقبات التي تواجه المسار التفاوضي والمتعلقة بكيفية إبقاء حدود المملكة المتحدة مع جمهورية أيرلندا مفتوحة بعد الانسحاب من التكتل.

الاتفاق على غالبية البنود

أكد بارنييه على أنه تم الاتفاق بالفعل الاتفاق على ما يقرب من 85 % من بنود اتفاق الانسحاب الأمر الذي عزز أداء الجنيه الاسترليني في الأسواق المالية خلال الأيام الماضية، مضيفًا أن مراقبة الصفقة والاتفاق على قواعد بشأن منتجات مثل جبن الكامومبير واللحم المقدد وهي منتجات محمية من التقليد داخل الاتحاد الأوروبي تحتاج لمزيد من العمل.

جونسون قال إن خطة ماي تجعل من المملكة المتحدة "دولة تابعة" ووصفها بأنها "حزام ناري"

مفاوض الاتحاد الأوروبي شدد كذلك على ضرورة أن تقبل بريطانيا عمليات تفتيش محتملة على البضائع التي تنتقل عبر برها الرئيسي وإقليم أيرلندا الشمالية قائلا إن الانسحاب سيؤدي لضرورة فرض جمارك وضريبة قيمة مضافة وعمليات تفتيش لضمان الالتزام بمعايير الاتحاد الأوروبي. يذكر أن الطرفين يسعيان لتفادي عودة نقاط التفتيش عند الحدود الأيرلندية لأن هذا سيعرقل التجارة ويهدد بإعادة تأجيج العنف في إقليم أيرلندا الشمالية بعد عقدين من اتفاق سلام.

تحديات داخلية

تبنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي منذ الوهلة الأولى موقف الانسحاب، معلنة في أكثر من موقف أن هذا القرار بالنسبة لها قرار نهائي، وأنه يصب في صالح البريطانيين، ففي مقابلة لها مع محطة (آي.تي.في) قبل فترة قال ”ما كنت سأصرح بذلك لو لم أكن مؤمنة به. وما أؤمن به أيضا أننا إذا دخلنا المفاوضات بيد قوية يمكننا التوصل لاتفاق جيد لبريطانيا“. لكنها في الوقت ذاته قوبلت بعاصفة من الانتقادات الداخلية التي طالبت بإعادة النظر في خطوة الاستفتاء لما تنطوي عليه من تداعيات سلبية على الاقتصاد البريطاني ومستقبل البريطانيين بصفة عامة.

الهجوم على ماي لم يكن من صفوف المعارضة فحسب، بل إن وزير خارجيتها بوريس جونسون انتقد خطة رئيسة حكومة بلاده بشأن علاقات المملكة المتحدة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، وذلك قبل أن يوافق على دعمها في اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد قبل أسبوع.

جونسون قال إن خطة ماي تجعل من المملكة المتحدة "دولة تابعة" ووصفها بأنها "حزام ناري"، وإن علقت هي عليه بقولها إن خطتها تضمن تنفيذ خروج بلادها من الاتحاد بشكل يحفظ لها استقلاليتها وسيادتها الكاملة فضلا عما يترتب عليه من آثار إيجابية.

بحسب البيان الصادر عن الحكومة البريطانية فإن الخطة المقدمة للإسراع في إجراءات الخروج من الاتحاد تتضمن عددًا من النقاط منها أن المملكة المتحدة ستقبل  "التنسيق والتوافق" المستمر مع قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة السلع

كان وزراء حكومة ماي قد وقعوا على خطة لإنشاء منطقة تجارة حرة للسلع الصناعية والزراعية مع دول الاتحاد، كما أيدوا ما يمكن أن يتطور ليصبح "منطقة جمركية مشتركة"، ورغم اعتراض جونسون على الخطة قائلا إنها قد "تقوض التجارة الحرة بشكل كبير" ، وفقًا لمراسل بي بي سي السياسي نيك آردلي.

تفاصيل خطة الخروج

وبحسب البيان الصادر عن الحكومة البريطانية فإن الخطة المقدمة للإسراع في إجراءات الخروج من الاتحاد تتضمن عددًا من النقاط منها أن المملكة المتحدة ستقبل  "التنسيق والتوافق" المستمر مع قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة السلع، وتغطي فقط تلك الضرورية لضمان تجارة بلا قيود أو خلافات.

كما أن البرلمان سيكون له القول الفصل حول كيفية دمج هذه القواعد في قانون المملكة المتحدة، مع الاحتفاظ بالحق في رفض فعل ذلك، إضافة إلى أنه ستكون هناك ترتيبات مختلفة للتجارة في قطاع الخدمات، بما في ذلك المنتجات المالية، مع "مرونة تنظيمية" أكبر و "ترتيبات تداول متينة".

كما تضمنت الخطة إنهاء حرية التنقل بشكلها الحالي، لكن "إطار التنقل" سيضمن استمرار سفر مواطني المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أراضي الطرف الآخر والتقدم للدراسة والعمل، كذلك وضع ترتيب جمركي جديد، بهدف التوصل إلى "منطقة جمركية مشتركة".

 الوثيقة السريّة التي أعدّها مركز التنسيق التابع للشرطة الوطنية وهو جهاز مهمته تنسيق موارد الشرطة وإمكانيّاتها تحذر من احتمال ارتفاع معدّل الجريمة في البلاد ولا سيّما عمليات السلب والسطو المسلح

وبحسب الخطة ستكون بريطانيا قادرة على التحكم في الرسوم الجمركية الخاصة بها وتطوير سياسة تجارية مستقلة، كما ستنتهي السلطة القضائية لمحكمة العدل الأوروبية على النظام القضائي البريطاني، ولكن المملكة المتحدة ستأخذ قرارات المحكمة بعين الاعتبار في المجالات التي تتعلق بالقواعد العامة.

خشية الإضطرابات

في التاسع من سبتمبر/أيلول الماضي أظهرت وثيقة سرية نشرتها صحيفة «صنداي تايمز» أن الشرطة الإنجليزية تخشى حصول «اضطرابات» مدنيّة في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق بين لندن وبروكسل ينظّم هذه المغادرة.

كما أظهرت الوثيقة الخوف من ان تؤدي عملية الخروج إلى شحّ في الموادّ الغذائيّة والبضائع، بما في ذلك بعض أنواع الأدوية، ما ينجم عنه «فوضى مدنية تسفر عن اضطرابات واسعة النطاق» قد تستمر لفترة «ثلاثة أشهر» يمكن أن تبدأ قبل الموعد المحدّد للبريكست وهو الساعة 23,00 ت غ ليل 29 آذار/مارس 2019.

 الوثيقة السريّة التي أعدّها مركز التنسيق التابع للشرطة الوطنية وهو جهاز مهمته تنسيق موارد الشرطة وإمكانيّاتها  تحذر من احتمال ارتفاع معدّل الجريمة في البلاد ولا سيّما عمليات السلب والسطو المسلح، ما قد يعزز من فرضية «احتمال الاستعانة بالجيش وارد للغاية».

ضربة للقطاع المالي

ومع تقدم مستويات التفاوض بشأن الإنتهاء من إجراءات الخروج والحديث عن أيام قليلة تفصل التوصل إلى اتفاق شبه نهائي بين لندن والاتحاد تتصاعد التحذيرات الداخلية من مغبة هذه الخطوة.

بينما يتصاعد السجال بين الرافضين والمعارضين لإجراءات المغادرة يترقب البريطانيون الأيام القليلة المقبلة آملين في التوصل إلى اتفاق مرضي للطرفين، يضمن الخروج الآمن دون تبعات قاسية قد يتذوق ملايين البريطانيين آلمها خلال السنوات القادمة.

رئيسة مجلس الإدارة المسؤولة عن السياسة في شركة “سيتي أوف لندن”، كاثرين ماكغينيس، قالت، اليوم الخميس، إن خطة بريكست التي وضعتها الحكومة البريطانية تعتبر “ضربة حقيقية” لهذا للقطاع المالي في لندن؛ لأنها تضر بالوظائف وعائدات الضرائب والنمو.

وأضافت ماكغينيس في بيان، أن “خطة بريكست سوف توجه ضربة حقيقية لقطاع الخدمات المالية، والخدمات الحرفية المتعلقة به”، موضحة أنه  “مع العلاقات التجارية الأقل قربًا مع أوروبا، فإن قطاع الخدمات المالية، والخدمات المهنية المتعلقة به، سيكون أقل قدرة على استحداث الوظائف، وتحقيق العائدات الضريبية، ودعم النمو في الاقتصاد الأوسع”.

البيان لفت إلى أن 1.4 ترليون جنيه إسترليني (1.85 مليار دولار، 1.58 مليار يورو) من الأصول تتم إدارتها في بريطانيا لحساب عملاء أوروبيين، وتجري في المنطقة المالية في لندن المعروفة بـ “سيتي” معظم تعاملات الاتحاد الأوروبي للبنوك وشركات التأمين، وفي حال إقرار الخطة المتفق عليها فإن الشركات العاملة في القطاع المالي البريطاني، ستخسر حقوق العمل بحرية في دول الاتحاد الأوروبي فور الخروج مباشرة.

وبينما يتصاعد السجال بين الرافضين والمعارضين لإجراءات المغادرة يترقب البريطانيون الأيام القليلة المقبلة آملين في التوصل إلى اتفاق مرضي للطرفين، يضمن الخروج الآمن دون تبعات قاسية قد يتذوق ملايين البريطانيين آلمها خلال السنوات القادمة.