وسط صحراء رملية كثيفة يسود في فضائها الغبار يعيش ألاف النازحين من مختلف المحافظات السورية، وأبرزهم من ريف حمص الشرقي، هاربين من موجات الحرب التي انهكتهم، وواقعهم المأساوي، ليس يوم أو يومين إنما سنوات من النزوح والتشرد يعيش هؤلاء الناس في مخيم يطلق عليه الركبان، أو (مخيم الأحياء الأموات)، كما يطلق عليه قاطنيه، المخيم المنسي على حافة الموت اللامنطقي يضيع ألاف المشردين في المنطقة، بمستقبل مجهول لا ينهي مآسيهم المخيفة التي طال أمدها. 

وسمي مخيم الركبان بهذا الاسم نسبة إلى المنطقة الصحراوية القاحلة التي أنشئ بقربها المخيم، وتدعى بـ (الرقبان)، الواقعة في محافظة المفرق في أقصى شمال شرق الأردن، قرب الحدود العراقية السورية، وتم إنشاء المخيم العشوائي للنازحين السوريين على طول سبعة كيلوا مترات من المنطقة المحرمة المنزوعة السلاح بين البلدين وبعمق ثلاث كيلوا مترات، بينما يبعد مخيم الركبان عن معبر التنف بين سوريا والعراق نحو عشرين كيلوا متراً إلى الجنوب، فيما تبعد مدينة الضمير التابعة لمحافظة ريف دمشق والتي تقبع لسيطرة النظام قرابة 200 كم، واستقطب المخيم ألاف المدنيين نتيجة نزوحهم بسبب المعارك بين الأطراف المتصارعة في سوريا.

النزوح والتهجير الذي تعرض له السوريين على مدى الأعوام السابقة هو الأسوأ على الإطلاق فقد انتشرت المعاناة بين مختلف طبقات المجتمع السوري، نتيجة تردي أحوالهم المادية وضعف امكانيتهم، التي خلفتها الحرب

ويعد المدنيين الضحية الأبرز في كل حرب، فهم يدفعون ثمنها من دمائهم ومالهم وبيوتهم، وحتى أراضيهم، بغض النظر عن أحوالهم التي كانت فيما سبق، النزوح والتهجير الذي تعرض له السوريين على مدى الأعوام السابقة هو الأسوأ على الإطلاق فقد انتشرت المعاناة بين مختلف طبقات المجتمع السوري، نتيجة تردي أحوالهم المادية وضعف امكانيتهم، التي خلفتها الحرب، نتحدث في موضوعنا عن عدد ليس قليل إنما يفوق التوقعات، وحتى المعاناة متساوية، دون النظر للخلفيات النازحين السابقة، وطالما كان الطعام واحدًا والمكان واحدًا والقاتل واحداً فحتماً ستكون المآسي متساوية.

أطفال بنون خيمة في مخيم الركبان

حالة المدنيين المعيشية في الركبان

الحالة المتعبة التي يعيشها مخيم الركبان تنامت عبر سنوات عدة واشتدت في الآونة الأخيرة نظرًا لوقوع المخيم في منطقة محاصرة من قبل النظام بعدما سيطر النظام على عدد من المناطق كانت تقبع تحت سيطرة المعارضة المسلحة خلال الأشهر القليلة الماضية ضمن اتفاقات أبرمت برعاية روسية، وانتهت بسيطرة النظام تعليها.

وسط صحراء شاسعة تنتشر ألاف الخيام متبعثرة الأماكن يغطيها لون التراب الصحراوي دفن ألاف السوريين أحلامهم وآمالهم بعدما فقدوا حياتهم في منازل قضوا فيها أجمل أيامهم، انتهت رحلتهم في ذلك المكان المنسي هاربين من الموت الذي يلاحقهم هناك، بعدما أغلقت قوات النظام الممرات التي تأمن للمدنيين المواد التموينية، وسط شح وارتفاع بأسعارها.

بلغ عدد العائلات في مخيم الركبان 15131 عائلة

وتحدث "نون بوست" مع إعلامي الإدارة المدنية في مخيم الركبان عمر الحمصي الذي قال: "أغلب النازحين ينحدرون من ريف حمص الشرقي، فروا من المعارك التي دارت بين قوات النظام وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بينما توجد نسبة منهم ينحدرون مختلف المحافظات السورية".

وفي السياق بلغ عدد العائلات في مخيم الركبان 15131 عائلة، ومن ضمنهم بلغ عدد الرجال 13905 نسمة، وعدد النساء 17503 نسمة، والغير متزوجين من أطفال وأشخاص ليس لديهم عائلات بلغ عددهم 46942 نسمة، وفق إحصائيات الإدارة المدنية في لمخيم الركبان.

مخيم الركبان يعيش أيام مأساوية في ظل الحصار

وأضاف الحمصي: "في السنوات السابقة كان النازحين يعيشون على المواد الإغاثية المقدمة من الأمم المتحدة، ومنذ سنة إلى الآن يعمل أغلب النازحين متسولين نظرًا لعدم توفر عمل لهم في المنطقة، وسط غياب الهيئات والمنظمات الإغاثية التي كانت تنشط في المخيم". وأوضح: يوجد فرنين لإنتاج مادة الخبز في المخيم وبعدما أغلق النظام المعابر إلى المنطقة، قل عملهم بسبب شح مادة الطحين، وهناك العديد من سكان المخيم يعتمدون على صناعة مادة الخبز بطرق تقليدية نظرًا لعدم توفر الطحين في الآونة الأخيرة.

أما بالنسبة للكهرباء قال الحمصي: "لا يوجد في المخيم كهرباء نظامية على الإطلاق"، وإنما يعتمد المدنيين في المخيم على الأمبيرات والاشتراكات الشهرية، وأغلب سكان المخيم لا يمكنهم الاشتراك نظرًا لأسعارها المرتفعة، ولوجود المولدات في أماكن محدودة كالأسواق وغيرها، من نقص الماء التي تعتبر من شريان الحياة، ويواجه قاطني المخيم العديد من المصاعب يومياً بسبب عدم وجود عمل للكثير منهم وسط غياب المساعدات الإنسانية وصعوبة الحياة، فيما ناشدت الإدارة المدنية في المخيم المجتمع الدولي، في وقت يواجه قاطني المخيم مصيراً مجهولًا حسب المعطيات الحالية.

أطفال مخيم الركيان يموتون نتيجة نقص الأدوية والرعاية الطيبة

الواقع الطبي في مخيم الركبان

تزداد المعاناة أكثر مع انتشار الأوبئة والأمراض بين سكان المخيم، نتيجة السكن الغير ملائم، والغبار الذي يكون مصدراً للجراثيم وغيرها، هذا ما إذا كان في فصل الصيف، أما في الشتاء تكثر الأمراض ويعم البلاء على سكان المخيم نظراً للتغيرات الجوية التي تتعرض لها المنطقة والبيئة الغير ملائمة، وخاصًة أن المخيم يقع في منقطة مقطوعة وبعيدة عن شكل المدن أو القرى المعروفة، مما يجعل الأمراض أكثر انتشاراً، لدى الأطفال على وجه الخصوص.

طبيب أعشاب نتيجة قلة الإمكانيات في مخيم الركبان

فيما توفيت الإثنين 8 أكتوبر تشرين الثاني الطفلة هدى الرسلان في مخيم الركبان نتيجة تدهور حالتها الصحية، بعد رفض اليونيسف الاستجابة لحالتها الصحية، بينما فقد الطفل مناف الحمود حياته والبالغ من العمر عام وشهرين جراء نقص الرعاية الصحية في المخيم، وندرة الأدوية.

عمر الحمصي الذي يقيم في داخل المخيم قال لـ "نون بوست": "يعيش سكان المخيم قدراً محتوم نتيجة فقدان الأدوية والمستلزمات الطبية". وأضاف: "يوجد في المخيم الذي يقطنه أكثر من 60 ألف نسمة، نقطتين طبيتين فقط وأكثر ما تقدمه النقاط تصوير الإيكو"، وتفتقر النقاط الطبية للكوادر من أطباء وممرضين والمعدات الطبية والأدوية، حيث ساءت الأحوال كثيرًا بعد إغلاق النظام معبر الضمير من جهة، والمنفذ الواصل إلى الأردن من جهة أخرى بضغط روسي، ولتزيد معاناة قاطني المخيم بإغلاق منظمة يونيسف للنقطة الطبية داخل الأراضي الاردنية منذ أسبوع، دون توضيح الأسباب.

ويواجه سكان مخيم الركبان غياب معظم المواد الغذائية والطبية، مع وجود حالات مرضية بحاجة إلى عمليات جراحية، لا سيما حالات الولادة، إضافة لغياب الأدوية عن المرضى، مع مصادرة أي علبة دواء عبر الحواجز، بعد تضييق النظام الأخير للمنطقة.

مدرسة براعم المستقبل في الركبان

التعليم في مخيم الركبان

يعيش أكثر من 39870 طفل وطفلة ما دون الخامسة عشر، دون تعليم في مخيم الركبان، حسب إحصائيات الإدارة المدنية، نظراً لتردي الأحوال المعيشية التي كانت سبباً في تردي الاحوال التعليمية، ولعل الحاجة إلى التعليم تعتبر أولى السبل، لكن شح الإمكانيات لدى قاطني المخيم وقف عائقًا أمامهم.

وقال الحمصي لـ "نون بوست": " الوضع التعليمي في مخيم الركبان مزري للغاية، وذلك بسبب عدم وجود أي جهة تدعم مشاريع التعليم"، وأضاف: "قدمت منظمة اليونيسيف العام الماضي للطلاب قرطاسية فقط دون تأمين مدراس أو أماكن يتعلمون بها".

وبين الحمصي أن عدداً من الأساتذة والمعلمين قاموا بإنشاء مدارس في خيام صغيرة وبيوت طينية، وقال: "إن كل معلم قام بإنشاء صف يعلم فيها أطفال الحي الذي يسكن فيه" ويقتصر التعليم في كافة المدارس على محو الأمية فقط للأطفال بعد انقطاعهم لأعوام عن التعليم بسبب الحرب والتشرد الذي رافقهم طوال الأيام.

مدرسة البيت التدمري خلال عاصفة رملية

وتعتبر المدارس تطوعية، من المعلمين نظراً لعدم وجود أي جهة معترفة بها أو تمولها، في حين يقع الأطفال ضحية الحرب، بينما يقف المجتمع الدولي متفرجاً، دون النظر لحقوق الأطفال الذين يحاولون العيش من قلة الموت، وسط مستقبل مجهول.

ويدير مخيم الركبان مجلس مدني محلي من وجهاء وشيوخ العشائر في المنطقة والفعاليات المدنية، وأبناء محافظات دير الزور والرقة والقلمون الشرقي وريف حمص الشرقي، وقام الوجهاء بإجراء مفاوضات مع النظام، وتضمن الاتفاق إدخال المرضى والمساعدات، بينما قام النظام برفض التواصل مع الوجهاء.

ويذكر أن عشائر المخيم أصدرت بيانًا الأحد 7 أكتوبر ـ تشرين الأول، ناشدت من خلاله الجانب الأردني والمجتمع الدولي للتحرك العاجل من أجل إنقاذ النازحين من خطر الحصار الخانق، بعد مرور أسبوع دون أي مساعدات، وذكرت العشائر في بيانها إن الحالة المأساوية للمخيم تهدد حياة النازحين، لا سيما أن المنطقة صحراوية، ليست صالحة للعيش.