لليوم السابع على التوالي تفرض حادثة اختفاء الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي والأنباء المتداولة بشأن تصفيته داخل مقر قنصلية بلاده في إسطنبول، نفسها على موائد النقاش الحقوقي والسياسي، الإقليمي والدولي، وسط اتهامات مباشرة للسلطات السعودية بتنفيذ العملية عبر فرقة اغتيالات قوامها 15 شخصًا.

ورغم أن التخلص من المعارضين وإسكاتهم بالقوة سمة بارزة في حكم المملكة خاصة مع قدوم محمد بن سلمان، فإن رد الفعل حيال حادثة خاشقجي لم يكن متوقعًا، وجاء عكس المتعارف عليه في الجرائم المشابهة، حتى مع أفراد من الأسرة المالكة، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات بشأن تداعيات هذه القضية على مستقبل ولي العهد السياسي وصورة بلاده خارجيًا، هذا إذا ما ثبت صحة رواية التصفية.

وبالنظر إلى ما كانت تمارسه الأوساط الإعلامية الغربية لا سيما الأمريكية من عزف متواصل للأمير الشاب والملك المنتظر ووصفه بـ"الإصلاح" و"الريادة" و"الرؤية الثاقبة" مقارنة بما هي عليه الآن بعد تفاقم رائحة المؤامرة بشأن تصفية الإعلامي المعارض، يُلاحظ أن الأمور لم تعد في مكانها المعتاد، وأن السحر الذي طالما مورس لإبطال كل التحركات المناوئة وإخراس جميع الألسنة قد ينقلب على الساحر.

مزيد من الغموض

مع مرور الوقت يزداد مصير خاشقجي غموضًا، في ظل عدم التوصل إلى الحقيقة الكاملة بشأن ما تعرض له الرجل، ورغم نفي الرياض للروايات العدة التي تطرقت إلى تفاصيل عملية التصفية الجسدية وتعرضه للتعذيب، فإن المؤشرات جميعها تذهب إلى هذا الاتجاه بحسب شهادات الكثير من المراقبين والمتابعين، سواء أكانوا من الشرطة التركية أم المقربين من خاشقجي خارج تركيا.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كشف أمس خلال تصريحاته للصحفيين أن التحقيقات في القضية تتقدم بشكل إيجابي، متعهدًا بإعلان نتائج التحقيقات أمام العالم مهما كانت، وهو ما أضفى مزيدًا من الغموض، في الوقت الذي دعت فيه العديد من المنظمات الدولية للكشف وبسرعة عن مصير الكاتب السعودي.

صحيفة "الغارديان" البريطانية نقلت عن محققين أتراك ملاحظتهم نقل صناديق من مبنى القنصلية السعودية إلى سيارة سوداء في الساعات التي تلت اختفاء خاشقجي

أردوغان أضاف أنه بصفته رئيسًا لجمهورية تركيا يتابع تطورات الواقعة عن كثب، معربًا عن أسفه أن يقع هذا الأمر في الأراضي التركية، وذكر أن سلطات بلاده حاليًّا تتحقق من عمليات الدخول لقنصلية السعودية في إسطنبول والخروج منها، وتسعى للتوصل سريعًا إلى نتيجة، كما يجري التحقق من حركة الدخول والخروج عبر المطارات.

وكانت أصابع الاتهام الأولى قد وجهت للرياض على خلفية وصول 15 مسؤولًا أمنيًا إلى إسطنبول ودخولهم مقر قنصلية بلادهم تزامنًا مع اختفاء خاشقجي، وهو ما دفع السلطات التركية إلى ترجيح تورطهم في الحادث، ورغم اعتراف الجانب السعودي بإرسال الوفد إلى تركيا فإنهم نفوا أن يكون له علاقة باختفائه.

إحدى المفاجآت الأخرى فجرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية حيث نقلت عن محققين أتراك ملاحظتهم نقل صناديق من مبنى القنصلية السعودية إلى سيارة سوداء في الساعات التي تلت اختفاء خاشقجي، وذلك حين فرغوا وفحصوا أشرطة فيديو من تصوير الكاميرات الأمنية لـ5 أيام وتضمنت مداخل ومخارج القنصلية.

صورة السعودية على المحك

فجرت قضية خاشقجي مجددًا ملف العلاقات السعودية الخارجية الذي تصدر قائمة أولويات ابن سلمان منذ تنصيبه وليًا للعهد، لا سيما العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، إيمانًا منه بدورهما البارز في الإسراع بخلافة والده وإعطائه الضوء الأخضر لتحقيق حلمه في كرسي العرش.

تعاطي الإعلام الغربي لا سيما الأمريكي مع حادثة خاشقجي يتناقض تمامًا مع الإغداق المستمر حتى وقت قريب على ولي العهد، ومحاولة تلميع صورته وتصديره للمشهد العالمي بصورة القائد المخلص

صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أكدت أن قضية خاشقجي هي "آخر تحدٍ للعلاقة الأمريكية - السعودية" فضلًا عن دورها في ممارسة المزيد من الضغوط على الكونغرس لإعادة تقييم العلاقة مع الرياض، وهي العلاقة التي كلفت ابن سلمان للحفاظ عليها ودعمها ما يقرب من تريليون دولار في صورة مساعدات وصفقات للولايات المتحدة.

السيناتور في مجلس الشيوخ ماركو روبيو، علق كذلك على الحادث قائلًا "إذا تم تأكيد هذا التقرير الإخباري المزعج، يجب على الولايات المتحدة والعالم المتحضر أن يستجيب بقوة، وسأراجع جميع الخيارات في مجلس الشيوخ"، فيما خاطب القيادي الديمقراطي وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ تيم كين، خارجية بلاده للوقوف على حقيقة ما يجري، رافضًا استهداف الصحفيين ومطالبًا بفتح تحقيق فوري.

المفكر والدبلوماسي الأمريكي السابق فرانسيس فوكوياما في تغريدة له تسخر مما قامت به السلطات السعودية تجاه خاشقجي قال "على جاريد كوشنير أن يسأل صديقه ابن سلمان ماذا حدث لخاشقجي"، فيما رد أحد المغردين بالقول: "الجواب في الكرة الكريستالية"، ليتساءل آخر: "هل سيفعلها؟ أم أن المال ستظهر قوته مجددًا".

رجل الاستخبارات الأمريكية السابق بروس ريدل ومدير مشروع الاستخبارات الحاليّ بمعهد بروكينغز، قال: "رغم دهشتي لكني لست متفاجئًا ، فولي العهد لا يتحمل النقد وهو يعلم أن ترامب لن يهتم بالأمر"، مضيفًا "ربما بعض السذج من مؤيدي محمد بن سلمان سيرون أخيرًا أنه ليس ثوريًا أو مصلحًا، لكن الرئيس ترامب يقوي ظهره ويدافع عنه"، بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

يعقوبيان وبعد نحو عام على مقابلتها الشهيرة مع الحريري في الرياض، قالت إنها لا تعرف مدى تلك الإهانات، إلا أنها تعتقد أن الحريري كان يتعرض لضغوطات وأنه كان محتجزًا بالقوة

وفي السياق ذاته حذر السيناتور كريس مورفي من تداعيات هذا الحادث على العلاقات بين أمريكا والسعودية، مضيفًا في تغريدة له: "إذا كان حقيقيًا - أن السعوديين استدرجوا مقيمًا أمريكيًّا في قنصليتهم وقتلوه - فيجب أن يمثل ذلك تغييرًا جوهريًا في علاقتنا مع السعودية".

من جانبها أعربت كندا عن قلقها مما حدث داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وعبر بريد إلكتروني لآدم أوتسن المتحدث باسم وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند قال فيه: "نحن على علم بهذه المزاعم المقلقة"، مضيفًا أن المسؤولين الكنديين يعملون بنشاط للحصول على مزيد من المعلومات.

القلق من تفاصيل الحادث دفع الإعلامية وعضو مجلس البرلمان اللبناني بولا يعقوبيان إلى الخروج عن صمتها، معلنة تضامنها الكامل مع الكاتب السعودي، كما فجرت مفاجأة من العيار الثقيل لأول مرة وذلك خلال مقابلة لها مع تليفزيون"الجديد" حين قالت إنها تعتقد أن رئيس الوزراء سعد الحريري تعرض لإهانات خلال فترة وجوده بالرياض.

يعقوبيان وبعد نحو عام على مقابلتها الشهيرة مع الحريري في الرياض، قالت إنها لا تعرف مدى تلك الإهانات، إلا أنها تعتقد أن الحريري كان يتعرض لضغوطات وأنه كان محتجزًا، مضيفة أنه في حال تأكد مقتل خاشقجي بعد اختطافه داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، فإن رسالتها إلى الحريري هي "الحمد لله على سلامتك".

مستقبل ابن سلمان

تعاطي الإعلام الغربي لا سيما الأمريكي مع حادثة خاشقجي يتناقض تمامًا مع الإغداق المستمر حتى وقت قريب على ولي العهد، ومحاولة تلميع صورته وتصديره للمشهد العالمي بصورة القائد المخلص والزعيم المنتظر، إذ انقلب المشهد بصورة كبيرة وصلت إلى حد وصفه بـ"المستبد" من وسائل الإعلام الداعمة له.

الإعلام الذي لم يتحرك ضد حملتي ابن سلمان ضد الدعاة والأكاديميين والأمراء والوزراء السابقين في سبتمبر ونوفمبر العام الماضي، رغم التنديد الحقوقي الدولي، فضلًا عن التملق الذي قوبل به الأمير الطامع في كرسي العرش خلال زيارته لواشنطن مارس/آذار الماضي، ها هو ينقلب الآن على الأمير الممول.

العديد من المحللين الغربيين المقربين من ابن سلمان والدوائر المتعلقة به يرون أنه في حال التيقن من صحة رواية مقتل خاشقجي وتصفيته بهذه الطريقة، فإن صورة ولي العهد الإصلاحي سيكون من الصعب استيعابها خلال الفترة المقبلة خاصة في واشنطن والعواصم الأوروبية الأخرى

صحيفة "نيويورك تايمز"، أحد أبرز النوافذ الإعلامية المتخصصة في عمليات تلميع ابن سلمان التي دومًا ما كانت تلقبه بـ"المصلح" لم تكتف بنزع هذا اللقب عنه فقط، إنما ألحقت به تعبير "المستبد"، وهو ما تكشّف في مقال افتتاحي بعنوان "جدوا جمال خاشقجي": "ارفعوا أصواتكم عاليًا حتى يسمعها الجميع، بمن في ذلك المصلح المستبد".

حتى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان الذي كان له نصيب الأسد في تحسين صورة ولي العهد وتسويقه على أنه القائد المنتظر، صب هو الآخر هجومه الحاد على دبلوماسية ابن سلمان، محذرًا من تداعيات تصفية خاشقجي على صورة المملكة ومستقبل نظامها، إذ طالب كلاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره وصهره جاريد كوشنر بالضغط على المملكة السعودية من أجل كشف مصير مواطنها جمال خاشقجي، مغردًا على حسابه الرسمي على "تويتر": "ترامب، كوشنر، لا أغرد عادة بآرائي، ولكن ليكن ذلك: عليكما أن تدعوا السعوديين للعثور/إطلاق سراح جمال خاشقجي، دون ناقد بناء مثله ستفشل الإصلاحات الاقتصادية السعودية".

كما خاطب ابن سلمان ووزير خارجيته قائلًا: "عليكما أن تعثرا/تطلقا سراح صديقي جمال خاشقجي المفقود في القنصلية السعودية بإسطنبول، إذا كان مخطوفًا فهذا سيكون كارثيًا لدبلوماسيتكما".

العديد من المحللين الغربيين المقربين من ابن سلمان والدوائر المتعلقة به يرون أنه في حال التيقن من صحة رواية مقتل خاشقجي وتصفيته بهذه الطريقة، فإن صورة ولي العهد الإصلاحي سيكون من الصعب استيعابها خلال الفترة المقبلة خاصة في واشنطن والعواصم الأوروبية الأخرى، هذا إن تم الوضع في الاعتبار السجل الحقوقي المشين  لنجل العاهل السعودي منذ دخوله دائرة الحكم.

صحيفة "نيويورك تايمز" أحد أبرز النوافذ الإعلامية المتخصصة في عمليات تلميع ابن سلمان التي دوما ما كانت تلقبه بـ"المصلح"، لم تكتف بنزع هذا اللقب عنه فقط، إنما ألحقت به تعبير "المستبد"

المثير للجدل

شهدت السعودية منذ دخول ابن سلمان دائرة الحكم في منصب وزير الدفاع ثم ولي العهد، محطات وأحداثًا مثيرة للجدل، ساهمت بشكل كبير في تشويه صورتها دوليًا، ورغم الجهود المبذولة لغض الطرف عن هذه الأحداث عبر توظيف النفوذ المالي، فإن بورصة الانتقادات تزايدت خلال الفترة الأخيرة بفضل عدد من الملفات.

تصدر ملف اليمن قائمة الملفات الأبرز التي شوهت صورة المملكة أمام المجتمع الدولي، إذ أسفرت العمليات العسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس/آذار 2015 عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين اليمنيين، فضلًا عن تفشي العديد من الأوبئة والأمراض التي تهدد مستقبل الملايين من الأطفال هناك.

ثم تأتي حملة الاعتقالات التي شنها ولي العهد في سبتمبر/أيلول 2017 وطالت مئات الشخصيات العامة من الأمراء ورجال الدين واقتصاديين ومفكرين وإعلاميين، وتحول فندق ريتز - كارلتون الفخم في الرياض على مدى 3 أشهر إلى "سجن ذهبي" لعشرات الأمراء وكبار مسؤولي ورجال أعمال المملكة في مشهد أثار الكثير من الانتقادات الدولية.

وفي  4 من نوفمبر/تشرين الثاني 2017، قدم رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري استقالته بشكل مفاجئ من الرياض التي احتجز فيها قسرًا لمدة 3 أسابيع، ولولا تدخل فرنسا على خط الأزمة وإعادتها الحريري لبلاده مرة أخرى لربما كان الوضع على ما هو عليه، ورغم نفي المملكة لتهم إرغام رئيس الحكومة اللبناني على الاستقالة فإن الشواهد التالية لعودته أكدت ذلك، لعل آخرها شهادة يعقوبيان.