مجزرة جديدة تشهدها مدينة الغوطة الشرقية إثر سقوط ما يقرب من 250 قتيلًا بينهم 50 طفلًا وقرابة 800 جريح جراء قصف قوات النظام السوري المدعومة روسيًا وإيرانيًا للمدينة خلال اليومين الماضيين.

التصعيد في أعمال العنف ضد أحد أبرز معاقل المعارضة قرب دمشق، هو الأكبر - بحسب ناشطين - منذ عام 2013، في الوقت الذي تحذر فيه منظمات دولية وحقوقية من تكرار سيناريو مجزرة حلب مرة أخرى، خاصة بعد التقارير التي تفيد احتمالية خروج الوضع الإنساني عن السيطرة.

الصمت الدولي حيال ما تتعرض له الغوطة فضلًا عن تورط عدد من الدول الراعية لمفاوضات المسار السياسي في هذه العمليات إما بالدعم العسكري واللوجيستي أو غض الطرف عما تقوم به قوات الأسد، أثار موجة إحباط لدى قطاع كبير من السوريين لا سيما سكان المدينة الواقعين بين فكي ميليشيات النظام وداعميه من جانب وسلبية المجتمع الدولي من جانب آخر.

حرب إبادة

بحلول مساء الأحد الـ18 من فبراير/شباط الحاليّ، ومن دون سابق إنذار أو تحذير لأهالي الغوطة الشرقية، أطلق العميد سهيل الحسن الضابط في قوات النظام، أوامره بدك المدينة فوق رأس سكانها، لتشهد واحدة من أعنف المجازر ضد المدنيين منذ عام 2015 وحتى الآن، موقعة ما يزيد على مئتي قتيل وثمانمائة مصاب خلال الـ36 ساعة الماضية فقط، وإن كان العدد قابل للزيادة مع استمرار العمليات.

الساعات الأولى من القصف المدعوم بقوات روسية وإيرانية أسفرت عن سقوط نحو 123 قتيلًا مدنيًا بينهم 27 طفلًا و19 امرأة، وإصابة المئات بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي كشف في تقرير له أن "عائلات بأكملها قُتلت، وعائلات أخرى مفقودة تحت أنقاض المنازل التي تسكنها، الجثث في الشوارع والفرق الإغاثية والطبية لم تعد قادرة على استيعاب حجم الكارثة"، إذ إن "القصف عنيف وكثيف جدًا في عربين وحرستا وحمورية ودوما والشيفونية والنشابية ومنطقة المرج، ومسرابا وبيت سوا وغيرها".

لم يصدر بيان إدانة واحدة، دوليًا كان أو عربيًا، لما يتعرض له السوريون في الغوطة الشرقية من جرائم وصفها بعض الناشطين بأنها "هولوكست جديدة" سوى فرنسا

الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية وصف ما حدث بأنه "حرب إبادة كاملة" مشيرًا في بيان صحفي له منشور على موقعه على الإنترنت أن "طائرات النظام والاحتلال الروسي شنت أكثر من 70 غارة جوية، وألقت 25 برميلًا متفجرًا، واستهدفت الأحياء السكنية بما يزيد على 150 صاروخ غراد و6 صواريخ من نوع فيل، بالإضافة إلى القصف المدفعي المستمر" وذلك في الساعات الـ48 الأولى من القصف.

تتزامن الهجمات مع ما يروج له عبر بعض وسائل الإعلام بشأن بدء حملة عسكرية برية ضخمة لقوات النظام في الغوطة الشرقية، في الوقت الذي تتصدى فيه عناصر "جيش الإسلام" أبرز فصائل المعارضة في المدينة، لمحاولات الاقتحام البري لمنطقة المرج الواقعة جنوب دوما.

القيادي في جيش الإسلام محمد علوش، في حديث له لصحيفة "أسوشيتد برس" نقلها "العربي الجديد" وصف ما يجري في الغوطة بأنه "هولوكوست جديد يرتكب (هناك) على يد أقذر نظام على وجه الأرض"، كما أعرب علوش عن اعتقاده بأن النظام السوري وداعميه روسيا وإيران، هم في "تحالف شيطاني غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية".

250 قتيلاً من المدنيين في الغوطة الشرقية خلال 3 أيام فقط

صمت دولي

"ما كان لحرب الإبادة الجماعية ولا الاعتداء الهمجي ليقع على أهالي الغوطة، لولا الصمت الدولي المطبق، وسكوت الدول الراعية للحل السياسي، بما يمثله ذلك من ضوء أخضر ترك المجال مفتوحًا أمام هذه الهجمة وهذا الإجرام، ما يحوّل دور المجتمع الدولي إلى موقع المتفرج، بل الشراكة في العدوان على السوريين"، لخصت الكلمات الواردة في البيان الصحفي الصادر عن "الائتلاف الوطني السوري"، أمس الثلاثاء، حالة الخذلان الدولي حيال الجرائم الإنسانية التي تقوم بها قوات النظام في الغوطة.

البيان الذي جاء تحت عنوان "روسيا تطلق رصاصة الرحمة على العملية السياسية في ظل صمت دولي"، جاء فيه أن "تقويض الحل السياسي هو النتيجة المقصودة لاستمرار هذا التصعيد، وبات من المؤكد أن روسيا تريد دفن العملية السياسية وفق المرجعية الدولية، خاصة بعد إعلانها تزويد قوات النظام بأسلحة متطورة لتنفيذ عملية عسكرية في الغوطة الشرقية".

الائتلاف اعتبر أن "كل أعضاء المجتمع الدولي يتحملون النتائج المترتبة على صمتهم وشللهم، وعلى رأس تلك النتائج تقويض الحل السياسي في سورية"، داعيًا "مجلس الأمن إلى التحرك المباشر والجاد، لحماية 400 ألف مدني محاصرين منذ 5 سنوات في الغوطة الشرقية، والتصرف وفق مسؤوليته القانونية والسياسية والأخلاقية".

التصعيد في أعمال العنف ضد أحد أبرز معاقل المعارضة قرب دمشق، هو الأكبر - بحسب ناشطين - منذ عام 2013، في الوقت الذي تحذر فيه منظمات دولية وحقوقية من تكرار سيناريو مجزرة حلب مرة أخرى

وفي المقابل لم يصدر بيان إدانة واحد، دوليًا كان أو عربيًا، لما يتعرض له السوريون في الغوطة الشرقية من جرائم وصفها بعض الناشطين بأنها "هولوكست جديدة" سوى فرنسا التي جاء في بيان لوزارة خارجيتها أن الهجمات "تستهدف عن عمد مناطق آهلة بالسكان وبنية أساسية مدنية بما في ذلك منشآت طبية، هذا يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الإنساني الدولي"، في الوقت الذي التزمت فيه ما يسمى بدول "أصدقاء الشعب السوري" بالصمت، وبقيت البيانات والتصريحات مقتصرة على المحتفلين بالمجزرة، سواء من المسؤولين في موسكو أو في طهران، ممن يحلو لهم تصوير ما يحصل على أنه "مكافحة للإرهاب" و"تخليص السوريين من الإرهابيين"، رغم أن الغوطة واحدة من المناطق الأربعة التي تم إعلانها من الدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) لاتفاقيات "أستانة"، كمناطق من المفترض ألا تشهد تصعيدًا للعمليات العسكرية فيها.

شبح سيناريو حلب يؤرق أهالي الغوطة الشرقية

السوريون يستغيثون

أمام هذا القصف الوحشي الذي تشنه قوات الأسد وميليشيات روسيا وإيران، دعا مغردون سوريون إلى التحرك الفوري من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الغوطة المحاصرة، وذلك بعد تصاعد أعداد القتلى والجرحى ساعة تلو الأخرى.

وعبر وسم "#الغوطة_الشرقية"، نقل المغردون صرخات الغوطة وأهلها، مدينين صمت العالم إزاء مآسيها خصوصًا ومآسي سورية عمومًا، داعين إلى موقف دولي حازم ضد هذه الجرائم التي ترتكب بحقهم.

بداية دون أبو هدى الحمصي قائلاً: "آخر كلمة قالها لي بالله عليكم لا تقولوا لا نستطيع وغير قادرين أفعلوا شيئًا لو بالكلمة، نحن نتعرض لأشرس حملة عسكرية جنون وقصف بشكل هستيري، الغوطة الشرقية تحولت إلى مسالخ بشرية !#الغوطة_الشرقية".

بينما غرد هادي العبد الله: "أي رعب تريده روسيا والأسد أي إجرام في هذا العالم المتحضر أكبر من هذا الإجرام أي صمت دولي وأي عار سيلحق بكل من تخاذل عن نصرة الغوطة وأهلها؟ مشاهد من مدينة حمورية التي قصفها الطيران الحربي اليوم لا تقل لا أستطيع أن أفعل أي شيء كلنا نستطيع أن نفعل ولو بالكلمة والموقف #الغوطة_الشرقية".

 

الأئتلاف السوري: ما كان لحرب الإبادة الجماعية ولا الاعتداء الهمجي ليقع على أهالي الغوطة، لولا الصمت الدولي المطبق، وسكوت الدول الراعية للحل السياسي

حلب.. السيناريو المقلق

شبح سيناريو حلب بات يضاجع الكثير من المراقبين للمشهد داخل الغوطة الشرقية، خاصة بعد ورود العديد من التقارير التي تحذر من تدهور الوضع الإنساني هناك واحتمالية خروجه عن السيطرة وهو ما دفع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى التعبير عن ذلك عبر إصدار بيان صحفي "فارغ" لا يحتوي على كلمات.

البيان الذي نشرته المنظمة على صفحتها على "تويتر" بدأ بجملة للمدير الإقليمي جيرت كابيلاري، مفادها: "ليس هناك كلمات تنصف الأطفال القتلى وأمهاتهم وآباءهم وأحباءهم"، ثم ترك البيان ستة أسطر فارغة تبدأ كل منها بعلامة تنصيص، وفي هامش أسفل الصفحة جاء ما يلي: "تصدر يونيسف هذا البيان، لأنه لم يعد لدينا كلمات لوصف معاناة الأطفال وحدة غضبنا".

المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، حذر هو الآخر من "أن تتحول الغوطة الشرقية إلى حلب ثانية"، فضلًا عن تأكيد منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا بانوس مومتزيس، أن "استهداف المدنيين في الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق يجب أن يتوقف حالًا، في وقت يخرج الوضع الإنساني عن السيطرة".