لا تزال روسيا تعلي من ملف إعادة الإعمار في المحافل الدولية وتطالب المسؤولين الأوروبيين بضرورة الالتزام لدعم هذا الملف، وقد اتهم وزير خارجية روسيا غينادي غاتيلوف، الاتحاد الأوروبي بتسييس مسألة إعادة إعمار سوريا، معتبرًا رفض الأوروبيين إبداء أي التزام طالما أن عملية الانتقال السياسي لم تنجز بعد أمر "غير مقبول".

ففي اجتماع "مجموعة أصدقاء سوريا" على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، إن بريطانيا والولايات المتحدة والدول الأخرى المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد، لن تدعم عملية إعادة إعمار سوريا، إلا بعد حدوث انتقال سياسي "بعيد عن الأسد".

وأضاف جونسون "نعتقد أن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو تحريك عملية سياسية، وأن نوضح للإيرانيين والروس ولنظام الأسد أننا لن ندعم عملية إعادة إعمار سوريا قبل وجود عملية سياسية، وهذا يعني كما ينص القرار 2254 انتقالاً سياسيًا بعيدًا عن الأسد". 

لبنان محطة لإعادة الإعمار 

لا يخفى أن لبنان أدرك مسبقًا أن روسيا المحرك الأكبر لعملية إعادة الإعمار في سوريا، ففي كل زيارة يقوم بها المسؤولون اللبنانيون إلى روسيا، يؤكدون على دور لبنان في مستقبل سوريا الاقتصادي ومدى انخراطه في العملية التي ستنطلق في وقت ما في المستقبل. ففي الزيارة الأخيرة التي قام بها سعد الحريري إلى روسيا ولقائه المسؤولين الروس هناك، كشف الرئيس سعد الحريري بعد لقائه بنظيره الروسي بوتين أنهما ناقشا أمورًا كثيرة تهم البلدين في الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية.

وذكر الحريري في سياق حديثه عن دخول الاستثمارات الروسية بقوة إلى لبنان وإعادة إعمار سوريا: "فيما يتعلق بإعادة إعمار سوريا فلبنان يمكن أن يشكل محطة لهذا الموضوع فهناك مرفأ طرابلس وخطة للسكك الحديد ومطارات يمكن إنشاؤها وإلى أن ينتهي الحل السياسي في سوريا عندها قد يكون لبنان محطة لإعادة إعمار سوريا".

لبنان لا يمتلك قاعدة صناعية متنوعة لتفيد البنية السورية المنهالكة وتكون منصة لإعادة إعمار سوريا

عمومًا فهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها المسؤولون اللبنانيون تسويق بلدهم لتكون محطة للدول والشركات الأجنبية الراغبة في الدخول بإعادة إعمار سوريا، فخلال زيارة لروسيا في أبريل/نيسان الماضي أبدى وزير الصناعة اللبناني حسين الحاج حسن، رغبة بلاده في التعاون مع موسكو لإعادة الإعمار في سوريا، وقال حسن في مقابلة مع وكالة "سبوتنيك" الروسية، الجمعة 21 من أبرسل/نيسان: "بالتأكيد سوف يكون للبنان دور أساسي في إعادة إعمار سوريا، نتيجة العلاقة التاريخية والوطيدة على المستوى السياسي والعائلي والإنساني". 

بعد زيارة الحريري لموسكو وتصريحاته عن دور لبنان في سوريا بعد انتهاء الصراع، انهالت تحليلات المحللين، إذ أشار عضو كتلة المستقبل النيابية محمد الحجار، بأن هناك توافقًا على أن يكون لبنان محطة إلزامية في إعادة الإعمار نظرًا لموقعه وخبراته وقدرات القطاع الخاص فيه"، وأضاف "هذا دليل على إعادة ثقة المجتمع الدولي بمستقبل لبنان في ظل التقاطع الدولي والإقليمي على دعم الاستقرار فيه".

وأشار البعض قائلاً إن للبنان دور كبير في إعادة الإعمار بسبب القدرات الجغرافية والمالية والبشرية التي يتمع بها، إضافة إلى القوانين المرنة باحتضان الشركات الأجنبية، بحسب ما صرح به وزير الاقتصاد اللبناني رائد خوري، وأضاف الوزير اللبناني: "لبنان يتطلع لإقامة مناطق اقتصادية حرة، تكون منصة للمستثمرين اللبنانيين والأجانب وخاصة لرجال الأعمال الروس، من أجل التسويق من خلالها إلى خارج لبنان، لكي تكون ممرًا لإعادة إعمار سوريا".

من دون استقرار سياسي في سوريا لا يمكن أن يكون هناك عملية إعادة إعمار، وكل ما يمكن أن يقال عن هذا أقرب للوهم منه إلى الحقيقة.

ولكن يجدر الذكر أن روسيا لم تثر هذا الموضوع مع لبنان وما سيقع على عاتقه في إعادة إعمار سوريا، على عكس ما تسعى إليه موسكو مع دول أوروبا وأمريكا ومحاولة تحميلها مسؤولية في تمويل هذه العملية. 

لبنان خاصرة سوريا

ليس لبنان وحده من يحاول أن يكون له جزء من كعكة إعادة الإعمار في سوريا، فهناك تركيا والأردن ودول أوروبية أيضًا، فالمسألة لا تتعلق بمليار أو مليارين إنما قدرت دراسات وتقارير دولية أن سوريا تحتاج لنحو 300 مليار دولار والرقم في ارتفاع بسبب استمرار الحرب وارتفاع تكلفتها وتكبد المزيد من الخسائر. 

على كل حال، تعد سوريا بالنسبة للبنان بلد استراتيجي مهم من واقع أنه المنفذ البري الوحيد إلى العام العربي وتربطه بها علاقة تاريخية قوية، ومن جهة أخرى، فإن جميع ما صدر من مسؤولين لبنانين وما سيصدر لاحقًا من تصريحات في هذا الصدد، يمكن قراءته بأنه مساعي لبنانية لتنفيع الاقتصاد اللبناني المتهالك من عملية ضخمة بهذا الشكل تجري على حدوده. 

من المنافع والإيجابيات التي قد ترافق عملية إعادة الإعمار في سوريا على اقتصاد لبنان برأي مراقبين، أن دولاً كثيرة ستعتبر لبنان منصة لوجيستية للعمل في سوريا، بفضل ما يتمتع بحرية للأعمال والبنية المصرفية، والمنفذ البحري على المتوسط. وهذا بحد ذاته برأي مراقبين سيؤدي بفائدة على البنية الخدماتية في جميع المناحي إضافة لوجود معبر وكوريدور تجاري بين سوريا ولبنان وعودة التبادل التجاري والاستقرار والسياحة إلى لبنان سينعكس بالمحصلة على الاقتصاد اللبناني.

من الجانب الآخر، ذكر محللون أن لبنان قد لا يكون مرتكزًا أساسيًا ومنصة لإعمار سوريا بقدر ما هي دولة مستفيدة من هذه العملية كجميع دول الجوار (تركيا والعراق والأردن)، إعادة الإعمار ستكون عملية ضخمة وستحرك ما كان واقفًا خلال السبع سنوات السابقة في المنطقة من استيراد وتصدير وتحريك المعابر التجارية وحركة الطيران والإنتاج والصناعة وعودة التبادل التجاري بين سوريا وهذه الدول إلى ما كانت عليه. لذا يرى البعض أن الحريري يريد إعادة إعمار لبنان قبل إعمار سوريا، وهو ما قصد به أن يكون لبنان محطة لإعمار سوريا لأن هناك مرفأ طرابلس وخطة للسكك الحديدية ومطارات في الوقت الذي لا تمتلك سوريا هذه المرافئ بسبب تأثرها من الحرب. 

وعلى العموم فإن انطلاق عملية مثل إعادة إعمار سوريا هي عملية معقدة، لا تقوم فقط على إجراءات فنية، وإنما لها مرتكزاتها من العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يجب أن تسير بجانب بعضها البعض، دون إغفال أي جانب من تلك الجوانب، ودون استقرار سياسي في سوريا لا يمكن أن يكون هناك عملية إعادة إعمار، وكل ما يمكن أن يقال عن هذا أقرب للوهم منه إلى الحقيقة.

روسيا لم تثر موضوع إعادة الإعمار مع لبنان وما سيقع على عاتقه في هذا الخصوص، على عكس ما تسعى له روسيا مع دول أوروبا وأمريكا ومحاولة تحميلها مسؤولية تمويل هذه العملية. 

من يريد أن يكون منصة لإعادة الإعمار عليه ألا يعاني من عدم استقرار سياسي واقتصادي ويعاني من مشاكل وأزمات بسيطة، أضف أن لبنان لا يمتلك قاعدة صناعية متنوعة لتفيد البنية السورية المتهالكة، ويبدو أن ما أراد المسؤولون اللبنانيون البوح به أن يكون لبنان مستفيدًا من هذه العملية وليس المشاركة في العملية عبر الاستثمارات المختلفة التي ستشهدها الساحة السورية بعد الإيذان ببدء عملية إعادة البناء. 

إذا كان لبنان يعتمد على هذه العملية للخروج من مشاكله وأزماته الاقتصادية عبر مغازلة روسيا بزجه في عملية دولية مثل إعادة إعمار سوريا فربما أخطأ التقدير، فروسيا لا تعطي شيئًا من دون مقابل وقد يكون المقابل أن تتحكم روسيا بلبنان كما تفعل في سوريا، وهو ما من شأنه أن يزيد من النفوذ الروسي في المياه الدافئة، أما في الشأن الدبلوماسي فقد وسعت موسكو بالفعل نفوذها في لبنان ووسعت السفارة الروسية من طاقمها في لبنان منذ فترة، وازداد نشاطها بشكل ملحوظ.