ترجمة وتحرير نون بوست

تسير الكويت بخطى ثابتة نحو الإصلاح بفضل الخصائص التي تميزها عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي لتنأى بنفسها بعيدًا عن الصعوبات التي تعاني منها نظيراتها الخليجية، وتجدر الإشارة إلى أن الكويت تتمتع بثروة نفطية هائلة متفوقة بذلك على السعودية بمعدل إنتاج النفط الخام، فضلاً عن كونها أحد أبرز المنتجين للنفط في العالم.

وفي الواقع، أتاحت العائدات المهمة من مبيعات النفط للكويت إمكانية مضاعفة احتياطي العملة لديها، التي لا تقل عن احتياطي الرياض إلا بفارق ضئيل، على الرغم من أن تعداد سكان الكويت أقل من أربعة ملايين نسمة، بالإضافة إلى ذلك، تعد الكويت من أكثر أقطار التعاون الخليجي انفتاحًا خاصة من الناحية السياسية.

يمنح البرلمان الكويتي، القوي نسبيًا، مجالاً للنواب لمناقشة مجموعة من القضايا وتدارس المسائل العالقة من خلال منتدى عام يخضع فيه الوزراء إلى المساءلة عن مدى مواءمة خطواتهم للخطط التنموية

من جهة أخرى، يمنح البرلمان الكويتي، القوي نسبيًا، مجالاً للنواب لمناقشة مجموعة من القضايا وتدارس المسائل العالقة من خلال منتدى عام يخضع فيه الوزراء إلى المساءلة عن مدى مواءمة خطواتهم للخطط التنموية.

وعلى رأس هذه الفروق، تظهر أسس العلاقة بين العائلة الحاكمة في الكويت، آل الصباح، والطائفة الشيعية، التي تشمل ما بين 30 و35% من إجمالي عدد السكان، لتصرف النظر بذلك عن السياسة المتبعة مع هذه الطائفة في بقية دول التعاون، ولعل ذلك ما يجعل الكويتيين الشيعة من بين أهم حلفاء العائلة الحاكمة في الكويت منذ سنوات، ليحظوا بحقوق وفرص اقتصادية أكثر بكثير من أولئك القاطنين في دول أخرى.

وعلى الرغم من هذه المزايا، فإن الكويت لا تُستثنى من دائرة "مخاض" الإصلاح على غرار بقية أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي، ففي الحقيقة، اقترحت الحكومة الكويتية مشروع رؤية الكويت 2035 الذي يهدف إلى تشجيع القطاع الخاص ودفع نموه، وتنويع الاقتصاد والحد من الإنفاق العام على الأجور قبل الانهيار العالمي لأسعار النفط في منتصف سنة 2014.

ووفقًا لذلك البرنامج، تواصل الكويت تقدمها في المسيرة الإصلاحية بيد أن الخصائص التي تميز الكويت عن بقية مجلس التعاون الخليجي قد تقف عقبة في طريق تقدمها وتؤجج الخلافات بين الطوائف السنية والشيعية داخل المجتمع الكويتي.

وفي إطار الحركة الإصلاحية التي شملت مختلف دول الخليج، كانت الحكومة الكويتية سباقة في إطلاق حملة الإصلاح سنة 2010، ولعل هذا ما يفسر عدم استعجالها في جني ثمار الإصلاح، وفي الوقت الحالي، حال احتياطي الدولة الكبير من النقد الأجنبي فضلاً عن ضخامة صندوق الثروة السيادية دون وقوعها في أزمة اقتصادية ومالية بسبب انخفاض أسعار النفط، وبالتالي، أتاح هذا الترف المادي للكويت فرصة متابعة إصلاحاتها بوتيرة بطيئة مقارنة ببقية أقطار مجلس التعاون الخليجي.

علاوة على ما يوجد في خزائن الدولة من النقد الأجنبي، يلعب البرلمان الكويتي دورًا في عرقلة وتعطيل سير الإصلاحات، فقد استخدم النواب خلال العامين المنصرمين مناصبهم لإبطاء نسق تنفيذ الإجراءات الإصلاحية ومنعها تمامًا، وفي هذا الصدد، يعتبر القانون الذي مرره النواب في كانون الثاني/ يناير سنة 2015، الذي يفضي إلى رفع أسعار الوقود، خير مثال على التحدي الذي يفرضه البرلمان على البرنامج الإصلاحي في الكويت.

على عكس بقية الأقطار الخليجية، تحظى الفئة الشيعية في البرلمان الكويتي بصوت مسموع بفضل الدور الاستراتيجي التاريخي الذي تلعبه في مساعدة الحكومة على التصدي لمطالب التجار السنيين

وعلى عكس بقية الأقطار الخليجية، تحظى الفئة الشيعية في البرلمان الكويتي بصوت مسموع بفضل الدور الاستراتيجي التاريخي الذي تلعبه في مساعدة الحكومة على التصدي لمطالب التجار السنيين، وفي بعض الأحيان، يكون للأحزاب الشيعية صوت مدوٍ يصعب على الحكومة الكويتية تجاهله، ففي سنة 2011 على سبيل المثال، حدّت الحكومة الكويتية من دورها في تفرقة الاحتجاجات التي جدت في البحرين إلى جانب القوات السعودية والإماراتية استجابة لرغبة المشرعين الشيعة.

أما خلال لمحة عامة عن الساحة السياسية الكويتية، فيبدو من الجلي أن الأحزاب السياسية تتكون بالأساس من ثلاث فئات، الشيعة وكل من السنة في المناطق الحضرية والريفية، وفي السنوات الأخيرة، وجدت الحكومة قاعدة دعم كبيرة من قبل الأحزاب العلمانية والليبرالية التي تمثل السنة الحضر ومختلف الأحزاب الأخرى التي تمثل الشيعة، وفي المقابل، برز الائتلاف الإسلامي، الذي يضم الجماعات القبلية والسلفية الممثلة للسنة الريفيين، في الشق المعارض للحكومة.

وفي السياق نفسه، تمكنت هذه الأحزاب المعارضة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أجريت في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2016، من قلب موازين القوى في البرلمان بهدف ترجيح كفتها على حساب الحكومة، وبعد مقاطعة الانتخابات البرلمانية السابقة احتجاجًا على القانون الانتخابي الجديد، تمكنت الأحزاب المكونة من الجماعات الإسلامية والسلفية القبلية السنية من الظفر بنحو 24 مقعدًا في الهيئة التشريعية من أصل 50 مقعدًا.

وفي المقابل، فقدت الأحزاب الشيعية وزنها في البرلمان بخسارة ثلاثة مقاعد من أصل تسعة وهي في الوقت الحالي تعتبر الحلقة الأضعف في الهيئة التشريعية منذ سنة 2009.

أن السنة الريفيين لطالما اعتبروا من بين الجماعات الأكثر تدينًا ومحافظة على الصعيد الاجتماعي ومن بين الفئات المهمشة على الصعيد الاقتصادي

من جهة أخرى، يكمن الرهان الأكبر في تركيبة البرلمان التي لا تبشر بخير فيما يتعلق بمستقبل التدابير الإصلاحية في الكويت، والجدير بالذكر أن السنة الريفيين لطالما اعتبروا من بين الجماعات الأكثر تدينًا ومحافظة على الصعيد الاجتماعي ومن بين الفئات المهمشة على الصعيد الاقتصادي.

وعلى نقيض السنّة الحضر الذين يحظون بالعديد من الفرص المتاحة في المدن، يعيش المجتمع السني الريفي على الدعم ويعوّل على ارتفاع الإنفاق العام، وبناء على ذلك، فإن أعضاء البرلمان السلفيين والقبليين عازمون على معارضة الإجراءات المعتمدة في خفض الإنفاق الاجتماعي وتحرير السياسات الموجهة للقطاع الاجتماعي في الكويت.

وفي هذا الإطار، من المرجح أن تحاول هذه التكتلات إقناع الأصوات المعارضة في صفوف الأحزاب السنية الحضرية بالتحالف معهم ضد الأحزاب الشيعية، وعلى الرغم من محاولات الكويت الحثيثة لإيجاد توافق بين مصالح الأطراف الشيعية والسنية، فإن الحكومة وجدت نفسها مجبرة على الانحياز لصالح الائتلاف السني.

تبعًا لهذه المعطيات، وفي حال استمرت الانقسامات الطائفية داخل البرلمان في الحد من نسق تقدم الأجندة الإصلاحية في الكويت، فإن الأمير لن يتوانى عن حل المجلس التشريعي، وهو ما حصل سابقًا، ليعلن بذلك عن انتخابات مبكرة.

والجدير بالذكر أنه حتى في حالة تعميق الإصلاحات الحكومية للتوترات الطائفية في الكويت، فإنه من غير المرجح أن ينقلب الكويتيون الشيعة ضد قادتهم، وعلى الرغم من أن إيران قد تغتنم فرصة وجود هذه التوترات في صفوف المجتمع الكويتي لتعزيز علاقتها بالأوساط الشيعية، فمن المستبعد حدوث ذلك نظرًا لتمتع الكويتيين الشيعة بحقوقهم السياسية والاقتصادية.

ومع ذلك، فإن عائلة آل الصباح الحاكمة تدرك جيدًا الخطر الذي يشكله النفوذ الإيراني على الكويت، كما تعزى هذه المخاوف إلى تنظيم الجماعات الشيعية من داخل البلاد وخارجها لهجمات انتقامية في ثمانينات القرن الماضي لدعم بغداد في الحرب الإيرانية العراقية، وبالتالي، فإنه من الجلي أنه في حال اتبعت العائلة الحاكمة في الكويت سياسة التهميش ضد الشيعة في المستقبل، فإنه من المتوقع أن توحد الجماعات الشيعية صفوفها لتقف ضدها.

المصدر: ستراتفور