تعود السوريون على سماع أرقام عالية لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وتعودوا كذلك أن يشتروا السلعة بسعر وبعد أيام قليلة أو أسابيع يختلف سعرها بسبب ارتفاع سعر الصرف والتضخم العام في الأسعار.

منذ كان سعر صرف الليرة يساوي 50 ليرة للدولار أول بداية الأحداث في مارس/ آذار 2011، حاول السوريون اللعب على معادلة الاقتصاد للتأثير على النظام بإضعافه، وبدأ النظام والثوار في تلك الفترة بحركة الشد والجذب، فالمواطن عمد إلى استبدال كل ما لديه من ليرة بالدولار والذهب وأصول مالية أخرى، فيرتفع سعر الصرف متأثرًا بشكل قليل من هذه الحركة ولكن سرعان ما تعاود الليرة للتحسن بعدما يطرح النظام السوري الدولار في السوق ويعيد التوازن لطلب الدولار فينخفض سعر الصرف مجددًا.

سعر الصرف ينخفض فجأة

بينما كان يتكلم الناس والمحللون عن أكبر انخفاض حققته الليرة في عمرها، حيث ارتفع سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى قرابة 650 ليرة للدولار، بدأ السعر يتحسن وبدون سابق إنذار، ففي خلال أقل من 3 أيام هبط سعر الصرف إلى 355 ليرة للدولار، وانخفض السعر في يوم واحد مئة ليرة.

الصورة في الأسفل بحسب موقع الليرة السورية اليوم.

ويعود هذا إلى سياسة جديدة اتبعها النظام لإعادة السيطرة على الليرة والأوضاع كما وعد سابقًا في أكثر من مناسبة، حيث عمد إلى ضخ الدولار في جلسات التدخل الاعتيادية وقام بسحب أكبر قدر ممكن من الليرة من الأسواق من مكاتب الصرافة والبنوك وضخ الدولار كالمعتاد.    

كما سمح لشركات الصرافة ومكاتب الحوالات بتسليم الحوالات بالدولار بدلًا من تسليم الحوالة بالليرة السورية وفق سعر صرف حدده لها المركزي، لذا فإن الآية انعكست وبات تسليم الحوالات بالدولار كما جاءته من الخارج.

النظام عمد إلى تجفيف الأسواق المحلية من الفائض من الليرة وتقوية الطلب عليها كونها عملة التداول الرسمية في البلاد، فالناس تشتري وتبيع حاجياتها بالليرة وبالتالي تعزيز سعر صرفها بالدولار، وما عزز من وضعها قيام تنظيم الدولة الإسلامية ببيع النفط في مناطق سيطرته في سوريا بالليرة السورية بينما يبيعه في العراق بالدولار حسبما ذكرت صحيفة العربي الجديد وحسب ما جاء في الصحيفة أيضًا فإنه يوجد وسطاء وشخصيات موالية لنظام الأسد تعقد صفقات نفطية وبكميات كبيرة مع تنظيم "داعش" تتم بالليرة السورية وليس بالدولار.

لم يعلن شيء رسمي من الحكومة السورية حول أسباب هذا الانخفاض المفاجئ في سعر الصرف ولا تزال الأسباب الحقيقية شبه مجهولة حول هذه الحركة المفاجئة التي اكتسبها النظام، فهل تلقى دعمًا من المجتمع الدولي لتعزيز اقتصاده المتهالك من خلال تعزيز قيمة الليرة ويجهز لشيء ما يكتسبه النظام خصوصًا بعد تراجع المجتمع الدولي عن إلقاء المساعدات للمناطق المحاصرة وتهاونه مع النظام في الحملة العسكرية الشعواء التي يقوم بها في حلب وإدلب، حيث أغار النظام على إدلب 250 غارة في الأمس أدت لسقوط ضحايا مدنيين، أم تم فك الحظر عن حقوق السحب الخاصة التي يملكها في صندوق النقد الدولي وشرائها من قِبل أحد حلفائه ما توفر بين يديه كميات جيدة من الدولار، ولعل الأيام القادمة ستكشف الأسباب الحقيقية التي أدت لهذا الهبوط المفاجئ!

أسباب ارتفاع سعر صرف الليرة

بعد اندلاع الثورة بقي حال الليرة السورية بين ارتفاع يعقبه انخفاض، وبعد فترة زال الشعور السائد عند الثوار أن الثورة ستنتهي بسقوط النظام بشكل سريع حالما تتوسع رقعة المظاهرات، فالنظام ذهب بالحلول الأمنية إلى أبعد حد حيث لم يكن الثوار يعتقدون أن المجتمع الدولي والنظام سيتمادى إلى هذا الحد بقمع الثورة.

العملة بالحالة الطبيعية تتأثر بأربعة عناصر رئيسية تفقد شيء من قيمتها حالما تفقد أحد تلك العناصر؛ أولها الحالة الأمنية فالعملة لا تعرف الاستقرار في حالة أمنية مضطربة فالسياحة وواردها من القطع الأجنبي ينقطع بسبب فقدان الأمن ونشاطات اقتصادية تتوقف وترتفع البطالة والفقر وينخفض الاستهلاك والتشغيل العام.

والعنصر الثاني هو إنتاج السلع والخدمات وبسبب فقدان الأمن والقصف الممنهج على المعامل والمصانع والمناطق الحرة أدى إلى نفور أصحاب رأس المال وهجرتهم إلى مناطق الجوار لممارسة نشاطهم الإنتاجي في الأردن وتركيا ولبنان ومصر ودول الخليج وغيرها من البلدان.

العنصر الثالث، عمل المركزي وسياسته النقدية المتبعة، حيث لم يستطع المركزي السوري تلبية الطلب المتزايد على الدولار كما أنه سيّل احتياط النقد الأجنبي وما يملك من ذهب وأصول مالية أخرى لخدمة الآلة العسكرية التي تطلبت صرف الكثير من الأموال.

العنصر الرابع وهو الثقة في الاقتصاد التي انعدمت في حالة الاقتصاد السوري، فلا موارد بيد النظام ولا إنتاج وفقد السيطرة على جزء كبير من الأراضي السورية الغنية بالنفط والغاز لصالح تنظيم الدولة الإسلامية وفقدان ثقة المواطن للنظام وقدرته على ضبط الأمن وإعادة الاستقرار للبلاد.

كل تلك العوامل شكلت مع بعضها البعض ومع الوقت أوراق ضغط على الليرة السورية أدت لاستنزافها لتسجل أرقامًا غير مسبوقة حيث وصل سعر الصرف إلى أكثر من 600 ليرة للدولار.