في مثل هذا اليوم خرجت مظاهرة في سوق الحميدية في دمشق بعد اعتداء شرطي سوري على مواطن، هتفت "الله.. سوريا.. حرية.. وبس" و"خاين يلي بيقتل شعبه"، معلنة بدء كسر القيد الذي أحكمه حزب البعث ومنظومة الأمن القمعية على الشعب السوري، وبهذا تكون الثورة أكملت عامها الخامس وبدأت بعامها السادس.

ومع دخول الثورة السورية عامها السادس لا ينبئ المشهد السوري بانفراج على الصعيد الاقتصادي في البلاد، فمنذ انطلاق الثورة قرر النظام وقف اقتصاد البلاد بما يحويه من مقدرات وأدوات ومؤسسات وموظفين لخدمة الآلة العسكرية لقمع الشعب وإيقاف الثورة وبالتال يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بالدرجة الأولى، وزاد أداء الاقتصاد سوءًا بعد الأنباء المسربة عن نفاذ الاحتياطي النقدي واستعانة النظام السوري بحليفيه إيران وروسيا لمده بالسلع والمواد الأساسية، وعندما مالت الكفة العسكرية لصالح المعارضة استقدم إيران ومن ثم استدعى الروس، وبين هذا وذاك يستنزف الاقتصاد السوري ويسجل أرقامًا سالبة ويراكم عجوزات بعضها فوق بعض.

انتهت السنة الخامسة للثورة لتثبت أن القضية السورية أضحت "أزمة مركبة ومتحركة بالآن نفسه" حيث لم تقتصر منذ انطلاق الثورة على "دائرة محددة" وأضحت قضية الأمن والاستقرار في الملف السوري إشكالية مركبة ومستمرة تلقي بظلالها على الفاعلين الإقليميين والدوليين سواء وتنذر بتمدد وسيلان الصراع إلى مناطق جغرافية أخرى، بحسب الباحث السياسي معن طلاع. وباتت الجغرافيا السورية كالثقب الأسود الذي تمتلك في طياتها جاذبية عالية الشدة تجذب كل من يدخل الصراع وتصعّب عليه الخروج من الدائرة لتعقد المشهد بين مختلف الأطراف.  

وعليه وبسبب استمرار الصراع فقد ازداد "تشظي" الاقتصاد السوري سنة بعد أخرى، وذلك يعبر عن حالة التمزق الحاد في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال كل تلك القوى التي تتصارع على الجغرافية السورية.

تلون الاقتصاد السوري للسنة الخامسة على التوالي باللون الأحمر؛ حيث تشير كل المؤشرات الاقتصادية بازدياد الانخفاض عن عام 2014 وتراكم أرقامًا سالبة من عجوزات وديون وخسائر على مؤشرات الاقتصاد الكلية مما أسهم بازدياد تشظيه.

الآثار الاقتصادية للأزمة

قدم المركز السوري لبحوث السياسات تقريره الربعي الأخير في شهر شباط من العام الجاري عن العام 2015 حول تقييم آثار الأزمة على الحالة الاجتماعية والاقتصادية للسوريين:

حيث تم تقدير حجم الخسائر الاقتصادية منذ بداية الثورة حتى نهاية 2015 بنحو 257.7 مليار دولار أي ما يعادل 468% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 وقدر معدل الانكماش الاقتصادي السنوي في عام 2015 بنحو 4.7%.

وشهد العام الماضي زيادة في أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية حيث تراجعت الحكومة عن دعم بعض السلع الأساسية وهذا أدى إلى تراجع كبير بالاستهلاك العام بلغ 33.1% مقارنة بعام 2014.

وانكمش الاستثمار العام بمعدل سنوي بلغ 31.8% حيث أعطت الحكومة الأولوية لتغطية الإنفاق العسكري ودفع الأجور العامة، كما تراجع الاستثمار الخاص بمعدل سنوي بلغ 5%.

وبشأن الصادرات فقد انخفضت في عام 2015 بنسبة 20%، أما الواردات فقد انكمشت هي الأخرى بنسبة 29% مقارنة عن عام 2014 بسبب التراجع في الطلب الفعّال، كما انخفضت قيمة الليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة حيث خسرت ما يقارب من 87% من قيمتها لتصل إلى حدود 450 ليرة مقابل الدولار في السوق السوداء في حين أن السعر في السوق النظامية أقل من ذلك.  

وبقي العجز التجاري ضخمًا في عام 2015 إذ بلغ 27.6% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تراجع عجز الموازنة من 41.2% في عام 2014 إلى 28.1% في عام 2015.

عملت الحكومة السورية في السنة الماضية على تطبيق استراتيجية التعقل في الإنفاق، وسياسة "ترشيد الدعم" التي عملت على تخفيض الدعم الحكومي لبعض السلع والخدمات المقدمة للمواطن حيث رفعت سعر ربطة الخبز إلى 50 ليرة وارتفاع سعر لتر المازوت إلى 135 وسعر أسطوانة الغاز إلى 1800 ليرة سورية، وهذه الاستراتيجية أضرّت بالاقتصاد السوري وأسهمت في تعميق الركود بشكل واضح لأنها رفعت من تكلفة الإنتاج المحلي وزادت من الضغوط التضخمية الذي ألقى بأعباء معيشية على المواطن السوري الذي لم يعد يكفيه الراتب لمنتصف الشهر.

الآثار الاجتماعية للأزمة

ومن الناحية الاجماعية تضمن التقرير أرقاما صادمة، فمع نهاية عام 2015 اضطر نحو 45% من السكان إلى مغادرة أماكن سكنهم بحثًا عن الأمان أو الظروف المعيشية الأفضل، إذ بلغ عدد الأشخاص النازحين داخليًا حوالي 6.36 مليون نسمة، علمًا أن العديد منهم أُجبر على النزوح مرات عديدة، ويقدر عدد اللاجئين الذين غادروا البلاد بحوالي 3.11 مليون شخص كما هاجر منها نحو 1.17 مليون بحسب التقرير.

وقد زاد تردي الأوضاع الاقتصادية في سوريا من تأزم معدلات الفقر العام حيث بلغت نحو 85.2% عام 2015 وبلغت نسبة من يعيشون في فقر شديد 69.3% من السكان، كما بات نحو 35% من السكان يعيشون في فقر مدقع غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية الأساسية ويتفاوت الفقر بين المحافظات السورية ويزداد الوضع سوءًا في مناطق النزاع والمناطق المحاصرة.

كذلك معدل البطالة ارتفع ليبلغ 52.9% في نهاية عام 2015، حيث يقدر عدد العاطلين عن العمل 2.91 مليون شخص منهم 2.7 مليون فقدوا عملهم خلال الأزمة مما يعني فقدان مصدر رئيسي للدخل لحوالي 13.8 مليون شخص.

وما زاد المشهد كارثية أكثر عدد الخسائر في الأرواح على امتداد الأرض السورية فمع نهاية عام 2015 ما يقارب 11.5% من سكان سوريا إما قتلى أو جرحى، كما تراجع متوسط العمر المتوقع عند الولادة بشكل حاد من 70.5 سنة في عام 2010 إلى 55.4 سنة في عام 2015.

كما أصدرت منظمة اليونسيف تقريرًا يرصد أزمة اللاجئين السوريين بالأرقام فبعد خمس سنوات من الثورة وبسبب العنف الممارس والتهجير الممنهج نتج عن الأزمة ما يلي: 

1- يعيش في سوريا أكثر من  422.000 شخص تحت الحصار، ويحتاج 7.6 مليون طفل سوري للمساعدة.

2- أكثر من 4 مليون لاجئ خارج سوريا و7.6 مليون نازح و220.000 شهيد، حيث يوجد 1 من كل مواطنين سوريين قُتل أو فر من منزله منذ بدء الحرب.

3- يشكل الأطفال أكثر من نصف اللاجئين السوريين حيث ولد أكثر من 142 ألف طفل سوري في بلدان اللجوء، ويوجد 2.7 مليون طفل سوري منقطعون عن الدراسة ومدرسة من كل أربع مدارس في سوريا مدمرة أو تستخدم كمأوى.

4- 2 من كل 3 مستشفيات في سوريا لا تعمل و1 من كل طبيبين تركوا البلاد.

5- 1 من كل 4 أشخاص طلبوا اللجوء إلى أوروبا هم أطفال، فحوالي 110.000 طفل تقريبًا لجأوا إلى أوروبا خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2015 أي بمعدل 18000 شخص كل شهر.

6- عدد الأطفال الذين طلبوا اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي خلال الشهور الـ 7 الأولى من سنة 2015 أعلى بنسبة 80% عما كان عليه السنة الماضية.

وفي النهاية انتهت السنة الخامسة بمزيد من التشظي على كل المستويات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية والسياسية وبدأت السنة الجديدة للثورة باستئناف الاجتماعات في جنيف السويسرية لاستكمال المفاوضات مع النظام برعاية أممية ، عسى أن يتمخض عنها شيء يفرح السوريين في كل بقاع الأرض خصوصًا أنه تلاقى مع إعلان روسيا لسحب بعض من قواتها في سوريا والدفع أكثر بالحل السياسي القائم في جنيف.