منذ حوالي عام، أرسل جهاد اللحام المتحدث الرسمي باسم نظام الأسد رسالة للكونجرس الأمريكي، يطلب فيها دعم الولايات المتحدة في حرب النظام ضد الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، وانتقد دعمها لقوات المعارضة السورية باعتبارها مساوية في تطرفها للدواعش، ثم أنهى رسالته باقتراح الترويج للصوفية كإستراتيجية لمواجهة واحتواء الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهابية والعنيفة.

لم تكن تلك أول مرة يقترح أحد على حكومة غربية دعم الصوفية بشكل عام لمواجهة التيارات المتطرفة داخل العالم الإسلامي، فقد انتشرت تلك الأفكار داخل الولايات المتحدة وبريطانيا بالأساس، وغيرهما من بلدان الغرب، بعد حادث الـ11 من سبتمبر، وأدت بالفعل لتبني بعض منها لسياسات دعم بعض الحركات الصوفية، في إطار إستراتيجية أوسع لمكافحة الإرهاب، تضمنت أساليب أخرى منها ما هو عسكري وصلب ومنها ما هو ناعم، وكان تبني الحركات المعتدلة والمنفتحة داخل الإسلام، كما سميت، إحدى ركائز السياسات الناعمة آنذاك، والتي اعتقد معها صناع القرار في الغرب أنهم يقدمون بديلًا جذابًا لاحتواء الفكر الجهادي.

إستراتيجية قديمة

في حقيقة الأمر، يبدو وأن الغرب قد أتى متأخرًا في ركب الدعم الرسمي للصوفية، والتي تقوم أنظمة كثيرة حول العالم بدعمها منذ عقود، ففي الجزائر استثمرت الدولة الكثير من الموارد في الترويج للتعاليم الصوفية تحت حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لا سيما بعد قمعها العنيف للإسلاميين في التسعينات، كما أن الملك محمد السادس في المغرب كما هي العادة يستخدم جذور أسرته وانتماءاتها للحركة الصوفية في المغرب وغرب أفريقيا للتأثير على المشهد الديني بشكل عام في المغرب، وكذلك للترويج لدور المغرب الثقافي في محيطها على حساب الجزائر، أضف لذلك رعايته مؤخرًا لمركز تدريب أئمة "معتدل" من المفترض أن يواجه به انتشار القاعدة والفكر الجهادي في الصحراء الأفريقية.

على الناحية الأسيوية من العالم الإسلامي، يقوم السياسيون في باكستان باستمرار بزيارة الأضرحة الصوفية للتعبير عن روابطهم بالطرق الصوفية كقواعد دينية لشرعيتهم السياسية، على النقيض من الأفكار الجهادية التي يستند لها الإسلاميون عامة، وطالبان خاصة، أما إلى الشمال في شرق أوروبا، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الآخر قد فطن إلى تلك الآلية منذ زمن، وتبنى دعم الصوفية في الشيشان لمواجهة مسلحيها الإسلاميين، بل وعيّن واحدًا من المنتمين للطريقة الصوفية القادرية رئيسًا لجمهورية الشيشان، وهو رمضان قديروف، وهو أحد أقوى حلفاء الكرملين في القوقاز الآن، والذي يستخدم علاقاته بالطرق الصوفية لتعزيز سياسات الانفتاح على روسيا ونبذ دعاوى التطرف والاستقلال معًا.

السؤال المطروح الآن هو لماذا تصر كل تلك الأنظمة والجهات السياسية على دعم الصوفية؟ الإجابات متعددة بالطبع، ولكن أبرزها أن المنهج الصوفي بطبعه يرتكز على أفكار الجهاد والتطهر الروحي على مستوى الفرد أولًا قبل الجماعة، ولا يولي نفس الاهتمام بالمجال السياسي باعتباره مجالًا فاسدًا ويُفسِد كل من فيه، مفضلًا أن يبتعد عنه بالكلية، وهو ما يعتبره أصحاب المصالح السياسية منهجًا جيدًا ليسير عليه المسلمون المتدينون بشكل عام، بدلًا من انجذابهم للخطاب الإسلامي التقليدي الذي يؤكد على الشريعة بمعانيها السياسية والاجتماعية بنفس الدرجة التي يؤكد بها على التزام بالفرد بالعقيدة، دون الانغماس في تفاصيل روحية فردية، ولذلك فإن الصوفية في أماكن عدة لم تكن غريمًا سياسيًا، أو على الأقل لم تكن تهدد النظم القائمة بنفس الراديكالية التي تهددها بها الحركات الجهادية.

أضغاث أحلام

على الرغم من هذا التاريخ الطويل، لا يبدو وأن سياسات دعم الصوفية قد أثمرت في أغلب الأحيان، ولننظر هنا على سبيل المثال إلى بريطانيا، والتي قامت حكومتها بدعم تأسيس مجلس مسلم صوفي بعد تفجيرات لندن عام 2005، لتكون منظمة سياسية تمثل أصوات المسلمين الصوفيين في بريطانيا، وتكافح الحركات المتطرفة وتحتوي الأفكار الإرهابية بين المسلمين، غير أن المجلس عانى منذ تأسيسه من مشاكل عدة أحبطت كل الآمال المعلقة عليه، أولها أنه أدى للتوتر بين التنظيمات الإسلامية وبعضها بعضًا، حيث رآه الجميع بالطبع كطرف يحاول توسيع نفوذه وقوته ليس إلا مستخدمًا علاقاته بالحكومة، كما رأى آخرون أن الحكومة عانت من القصور بتركيزها على المجلس الصوفي دون غيره، وأنها ما كان يجب أن تتدخل في أمور دينية إسلامية.

في نهاية المطاف توقفت الحكومة البريطانية عن دعم المجلس نظرًا لإثارتها الجدل وفشل إستراتيجيتها تلك أصلًا، وهي نفس النتيجة التي توصل لها الأمريكيون قبلها بحوالي عامين، ففي عام 2003 انتشرت بين محللي مراكز الأبحاث أو الثينك تانكس أفكار وبحوث تثمن دعم الصوفية وقدرتها على المساهمة في تحقيق أهداف السياسة الأمريكية، وإمكانية قيام واشنطن بتخصيص تمويل لمراكز وساحات للحركات الصوفية، وتدشين مشاريع لحماية التراث الصوفي وغيرها، والهدف الأساسي كان باختصار دعم أي شيء يُعَد نقيضًا للإسلام المتطرف، كما قالت هدية مير أحمدي آنذاك، رئيسة المنظمة العالمية للتعليم وتنمية الموارد، لتقترح على المسؤولين الأمريكيين إعادة ترميم الأضرحة الصوفية، وحفظ وترجمة النصوص القديمة، وتشجيع الحكومات الحليفة لوشنطن على رعاية "نهضة فكرية صوفية".

غير أن الأهداف الأمريكية الواضحة أولًا من جرّاء تلك السياسات اتضحت رويدًا وأضعفت من تأثيرها، ووصلت بالولايات المتحدة في النهاية إلى إهدار موارد لا طائل منها، لا سيما وأن الكثير من المحللين وصناع القرار لم يكونوا على علم أصلًا بالسجالات الفكرية القائمة بين الشباب على الناحيتين؛ الصوفية والجهادية، والتي لم تكن لتتغير بضخ بعض الأموال وإقامة الدعاية، بل الحقيقة أن من وقفوا على الناحية الجهادية بشكل خاص، وفي صف الإسلام السياسي بوجه عام، وجدوا في الدعم الغربي لغريمهم الصوفي (وهو غريمهم سياسيًا فقط في بعض الأحيان) مدعاة لمزيد من الهجوم والابتعاد عنه وليس العكس كما ظن الأمريكيون.

نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني مع شيخ قباني أحد مشايخ الصوفية في أوزبكستان، والداعم للنظام القمعي الموجود فيها بوجه حركة أوزبكستان الإسلامية القريبة من طالبان

لم يكن هنا أوضح مما قاله عمدة نيويورك، ديفيد باترسون، عام 2010 حين أعلن عن خطط بناء مركز ثقافي إسلامي بالقرب من موقع حادث 11 سبتمبر، المعروف بـ"جراوند زيرو"، فحين احتج بعض سكان المدينة على خططه ورأوها إهانة لأرواح الضحايا، رد باترسون ببساطة قائلًا، "القائمون على هذا المسجد يعرفون بالمسلمين الصوفيين، وهم ليسوا كالشيعة أبدًا، هم مجموعة مركبة، بل وغربية تقريبًا، وهم ليسوا من عامة المسلمين العاديين كما أصنفهم"، هكذا تحدث ديفيد ضاربًا عرض الحائط بمشاعر السنة والشيعة في لحظة احتاج فيها لكسب تأييد الشارع الأمريكي الذي لا يعرف أصلًا الفرق الإسلامية.

يُعَد دعم الصوفية إجمالًا سياسة شديدة الضرر نتيجة العداوة التي تخلقها بين الصوفية، وهي حركة لها تاريخ نضالي في الحقيقة في حقبة الاستعمار، وبين بقية التوجهات الإسلامية الحالية، بشكل يخلق ثنائية بين إسلام حسن وإسلام قبيح كما يحلو للغرب دومًا أن يسميه، وهي ثنائية تنقلب بسهولة في البلدان المسلمة نفسها، ليصبح الإسلام الحسن من وجهة نظر أمريكا هو في الواقع الإسلام القبيح، دون أن يكون كذلك بالضرورة بذاته، والعكس أيضًا، دون أن يكون ما رأته واشنطن قبيحًا حسنًا بالكامل بالفعل.

يعني ذلك ببساطة أن دخول الغرب على خط الخلافات بين الفرق الإسلامية يزيد الطين بله ليس إلا في منطقة تقوم فيها صراعات كثيرة إما بين المسلمين وبعضهم البعض، بشكل يضر الأمريكيين في الحقيقة إن انحازوا لأحدهم، وإما بين تيارات الشباب بشكل عام، ومعظمها مسلم ملتزم، وبين الأنظمة القمعية، وإن كانت بعض تلك الأنظمة مهمة للسياسة الأمريكية، فإن دعم الصوفية لتعزيز بقائها لا يؤتي أكله أبدًا، بل يخصم من رصيدها نتيجة النظر لها باعتبارها حليف الغرب الحريص على عدم التدخل في السياسة لحماية مصالح النظام القائم، على غرار الحال في بلدان إسلامية عدة، مما يؤجج غضب الشرائح الساخطة بشكل عام، وتلك التي ترى أن الإسلام يحتم عليها التحرك بوجه الظلم والاستبداد بشكل خاص.

هذا المقال منقول بتصرف من فورين أفيرز